الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٧٧ - باب الطاعة والتقوى
إليه لزوماً بحسب الشرع لا بحسب الذات؛ والثالث برزق قد يعرض له الوصف بالقياس إلى أحد، ويفارق عنه بالقياس إلى آخر، فلم يأكل أحد رزقاً حراماً ذاته، بل إنّما فعل فعلًا حراماً إن كان من المكلّفين.
وبالجملة: المذهب الحقّ أنّ الأحكام الشرعيّة متعلّقة بالأفعال لا بالأعيان، وأنّ الأعيان كلّها حلال بمعنى أنّها خلقت لينتفع بها كما قال تعالى في سورة البقرة: «هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» [١]، ووصف تلك الأعيان بعضها بالحلال وبعضها بالحرام بملابسة التصرّفات الواقعة عليها التي هي الحلال والحرام بالأصالة، ووصف المتصرّفات بهما ثانياً وبالعرض.
ثمّ إنّ صرف الرزق قسمان: إرادي وغير إرادي، وحيث إنّ كليهما بقضاء اللَّه وقدره- بالمعنى الذي حقّقناه في كتاب التوحيد- صحَّ أنّ اللَّه تعالى هو الذي رزق آكل الحلال وآكل الحرام.
وفي الصحيفة الكاملة في دُعاء الحمد: «وجعل لكلّ روح منهم قُوتاً معلوماً مقسوماً من رزقه، لا ينقص من زاده ناقص، ولا يزيد من نقص منهم زائد» الدعاء. [٢]
حيث إنّ اللَّه تعالى نهى عن استبقاء الحياة بما حرّم عليه، وجعل له السبيل إلى الحلال، فقد صحّ أنّ اللَّه تعالى قسّم الأرزاق بين الناس حلالًا، ولم يقسمها حراماً.
فتدبّر هذه الاصول، تستبصرْ إن شاء اللَّه تعالى.
قوله: (وما مَعَنا براةٌ [٣] من النار). [ح ٣/ ١٦٢٢]
في رواية حميد الآتية: «واللَّه ما مَعَنا من اللَّه براة». [٤]
الذي وجدنا في كتب اللغة المشهورة «براءة» مصدر برئ منه، ولم يذكر براة بدون المدّ إلّافي كتاب المغرب: «برئ من الذنب والعيب براءة، ومنها البراءة لخطّ الإبراء، والجمع: البراءات بالمدّ، والبروات عامّي». [٥]
[١]. البقرة (٢): ٢٩.
[٢]. الصحيفة السجّاديّة، ص ٢٨، الدعاء ١.
[٣]. في الكافي المطبوع: «براءة».
[٤]. الحديث السادس من الباب.
[٥]. المغرب، ص ٣٨ (برئ).