الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤٢١ - باب الذنوب
القبول.
والظاهر أنّ قوله تعالى: «كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ» [١] إشارة إلى هذا، على أنّ اللام في «ليذوقوا» كاللام في «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» [٢]. أو أظهر الحكيم أمراً واقعيّاً في صورة الغضب لمصلحة تخويف الذين ليسوا بخبيثي الذات.
كما أنّ وصف مؤذيات جهنّم من العقارب والحيّات والشرب المشبّهة بجمالات صفر بأوصافها وعدم إطلاق المداواة والتنقية عليها، مع أنّها كذلك في الحقيقة لأجل ذلك.
واعلم أنّ إبليس قبل أن توجد كان معنى معلوماً للَّهومقدوراً خاصّاً من مقدوراته تعالي، وخصوصيّة التي بها هو إبليس أنّه خبيث ليس فيه خير إلّا من وجهين:
أحدهما: أنّه يصلح أن يجعل فتنة للناس يتميّز من يطيعه لمناسبة بينهما في السنخ عمّن يطيعه للانخداع والاغترار، ثمّ يتنبّه ولو بعد حين، فيندم على ما كان منه، ويرجع إلى اللَّه، فيصير من الذين ذكرهم اللَّه بقوله: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» [٣] وبقوله: «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» [٤] أو يكفّر ذنبه بوجه آخر لطهارة طينته.
والوجه الثاني: أنّه ليس من المعاني التي لاتحتمل الجود والرحمة الواسعة بوجه من الوجوه حتّى يترك في محبس العدم، بل هو بحيث إذا أوجد وتلوّث بدنه بخبث أعماله السيّئة من التكبّر وإغواء خلق اللَّه حسداً وحقداً وزادت على الخباثة الذاتية الخباثة العارضية زالت العارضية بالتعذيب، وإن تجدّدت عقيب الزوال من جهة الخباثة الذاتية، كالمجنون الذي يلبسه المربّي ثوباً نظيفاً، فيوسّخه المجنون ويدنّسه بارتكاب الأقذار والتقلّب في الأنجاس، فيبدّل المربّي الملوّث بنظيف آخر شفقةً ورحمةً، فلا يزال يجري الحال بينهما على هذا المنوال.
وإذ كان هذان الخيران معلومين للَّهتعالى في المعنى الخبيث المسمّى بإبليس،
[١]. النساء (٤): ٥٦.
[٢]. القصص (٢٨): ٨.
[٣]. البقرة (٢): ٢٢٢.
[٤]. الفرقان (٢٥): ٧٠.