الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٤١٩ - باب الذنوب
المرحوم صاحبها.
فبقي المصرّ الذي مات بلا توبة وبلا مطهّر من اللوث الذي به، فهو خبيث؛ إمّا خباثة تزول بالتعذيب، فمثله كمثل من عرض له الكظّة ولين البطن، ويقبل العلاج بشرب الدواء المرّ، وحال مذنبي أهل الدِّين الذين لم يكفّر ذنوبهم ذلك؛ فإنّ ذنبهم على وجه الغرّة والزلّة، لا على وجه التكبّر والمحادّة؛ وإمّا خباثة لا تزول بالتعذيب، ولو ازيل بعض آثارها به جدّدته المادّة الكامنة عقيب الزوال كإبليس وجنوده، فخلقهم لمصالح لا يحيط بها علماً إلّااللَّه تعالى، وهم بمنزلة الأفاعي والعقارب وسائر الهوامّ والسوامّ التي علمنا على الإجمال أنّها خلقت لمصالح، وإضرارها لمن أضرّت على علم من اللَّه داخل في التدبير الأزلي، فتعذيب اولئك الأخبثاء دائمي لا ينقطع؛ لأنّ الخبث الذاتي وإن لم يقبل الزوال بالتعذيب إلّاأنّه داع إلى أسوء السيّئات، وهو التكبّر على المصطفين، وبه يحصل خبث عارضي يزول بالتعذيب، وكلّما ازيل تجدّد من مادّة كامنة باقية.
وهاهنا إشكال عويص، وهو أنّ العقل حاكم حكماً قطعيّاً أنّ الغنيّ بالذات الحكيم الجواد الرؤوف بالعباد لم يخلق الخلق ليعذّب من يخالف أمره مع علمه الذاتي بوقوع المخالفة بعد إتمام الحجّة، سيّما التعذيب بنار تذر العظامَ رميماً، وتُسقي أهلها حميماً، نار لا تبقي على من تضرّع إليها، ولا ترحم من استعطفها، يأكل بعضها بعضاً، ويصول بعضها على بعض، وسيّما التعذيب الدائم الذي لا ينقطع أبداً، فكيف تكون الحال والحال أنّ أنبياءه ورسله الصادقين : أخبروا بأنّ جميع ذلك سيقع في يوم الجزاء؟
وحلّ هذا الإشكال بعد تمهيد مقدّمة هي أنّ اللَّه تعالى علم من العلم بذاته معانيَ لكلّ منها خصوصيّة هو بها هو، وذلك قبل مرتبة الخلق والتقدير، فلكلّ باعتبار خصوصيّته شهوة وميل ذاتي إلى الحسنات أو السيّئات ليس من جهة الغير، ويشهد لذلك قوله تعالى: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ» [١]،
[١]. النساء (٤): ٧٩.