الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٨١ - باب المؤمن وعلاماته
يستحقّ محبّة تحمل على التعظيم والتكريم والنصح في السرّ والعلانية والمواساة وأمثال ذلك دون الإتيان في كلّ ما يأمر وينهى، وذلك الاستحقاق أيضاً بشرط أن لا يعارض ولا ينافي محبّة اللَّه، وصاحب ولاية الأمر يستحقّ محبّة تحمل على جميع المذكورات مع الاتّباع في كلّ ما يأمر وينهى في أمر الدِّين والدنيا من غير أن تبلغ حدّ محبّة الغالين.
وليعلم أيضاً أنّ وجود منشأ القسم الأوّل من المحبّة لايجب أن يكون معتقَداً للمحبّ باعتقاد جازم مطابق لما في نفس الأمر؛ إذ لو أحبّ أحداً كان أخاه في ظاهر علمه- إمّا من جهة أنّه رأى تولّده من امّه، أو من جهة الاستفاضة، أو تقليد شاهدين مظنون العدالة- وهو في نفس الأمر من نطفة الزنى، لم يكن مأثوماً ولا ملوماً في محبّته وفعل ما يحمل المحبّة عليه من الإكرام والمواساة، وكذا لو أحبّ من كان في ظنّه أنّه مشارك له في الدِّين- وإن رآه في زيّ المخالفين- وغلب على ظنّه من جهة القرائن أنّه جاملهم لمصلحة صحيحة وإن لم يعلمها على الخصوص، وكان الرجل في الواقع على خلاف ما في ظنّ المحبّ، لم يكن مأثوماً ولا ملوماً، بل الظاهر- كما سيظهر لك- أنّه مأثوم بناءً على الظاهر ووجود منشأ القسم الثاني من المحبّة، وهو ولاية الأمر، يجب أن يكون معتقداً باعتقاد جازم مطابق لما في نفس الأمر؛ وذلك لأنّ بديهة العقل يحكم بأنّ من لم يتيقّن ذلك من أحد، ولم يكن في ذلك على بصيرة، لم يجز له أن يتّبعه في جميع أوامره ونواهيه في أمر الدِّين والدنيا من العبادات والأموال والفروج والدِّماء، كما هو مقتضى عدم التقييد في قوله تعالى: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [١].
ولعمري أنّ هذا الحكم أظهر وأوضح من أن يحتاج إلى النظر والاستدلال والتفتيش، وأنور من أن يرتاب فيه أحد حتّى ضعفاء الأبصار من الخفافيش. هذا بيان الاحتياج إلى الجزء الأوّل.
[١]. النساء (٤): ٥٩.