الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٨٠ - باب الورع
باب الورع
قوله: (وكان في ذلك المصر [١] أورَعَ منه). [ح ١٠/ ١٦٣٧]
يعني من يهوى أن يكون من خواصّنا، فعليه أن يترقّى في مراتب الورع إلى أن يعتقد أنّه بلغ الغاية، ولم يبق مرتبة حتّى يحتمل أن يكون غيره قد ترقّى إليها.
وهذا حثّ وترغيب على التسابق وعدم التواني في الاجتهاد طول العمر، ونهي ضمني عن الترفّع والإعجاب وإن بذل غاية المجهود؛ إذ غير المعصوم لا يمكنه ذلك الاعتقاد بحال من الأحوال، بل على أيّ حال يجوز أن يكون في المصر أحد أورع منه، فيسعى أن يترقّى ممّا هو فيه، ولا يرضى من نفسه الوقوف على حدّ تمام عجزه؛ رزقنا اللَّه تعالى مرافقة أمثاله بمحمّد وآله صلّى اللَّه عليهم أجمعين.
هذا إذا كان المراد التحرّز عن المحرّمات والمشبّهات معاً؛ لأنّ للورع حينئذٍ عرضاً عريضاً لا يكاد يمكن أن يبلغ غايته حتّى يستتمّ للمتورّع اعتقاد أنّ أحداً ليس أورع منه في الواقع.
وأمّا إذا كان المراد اجتناب المحرّمات- كما هو ظاهر هذه الأخبار- فله غاية ظاهرة، والعلم ببلوغ الغاية ممكن، كيف لا وهو واجب التحصيل، ولا يسع أحداً المقام على الجهل، وكذا لا يسع أحداً الوقوف دون الغاية، فإذا اجتنب جميع المحارم فلا يتصوّر أن يزيد عليه أحدٌ في الورع، بل كلّ من عداه إمّا مثله أو دونه.
وفي الورع بالمعنى الأوّل إشكال، وهو مبنيّ على مقدّمة هي أنّه لا يتيسّر لكلّ أحد أن يبلغ بالسعي كلّ مرتبة من مراتب الكمال ممكنةٍ لنوع الإنسان، بل لكلّ من جهة الفطرة قوّة بلوغ مرتبة خاصّة، وهذا لا يكاد يخفى على من عاشر بني نوعه قدراً من المعاشرة، وقد نظمت هذا المعنى في المثنوي المسمّى ب «نان و پنير» بيت:
[١]. في الكافي المطبوع:+/ «أحد».