الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢١٨ - باب طينة المؤمن والكافر
قيل: إذا تأمّلت يظهر لك أنّ الوجوب واللزوم أيضاً لا ينافي ذلك، بل يؤكّده ويحقّقه، ولنفرض لك مثالًا للتوضيح والتبيين، فنقول: هل لا تعرف أنت وجميع أهل العقل بأنّه إذا كان أحدٌ بحيث يقدم على القبيح بأدنى سبب، فهو أسوء حالًا ممّن لا يقدم عليه بسببٍ أقوى منه، وهكذا، مثلًا إذا كان أحد بحيث لا يقدم على قتل نفس ظلماً بمجرّد إعطاء دينار له، بل يقدم عليه بإعطاء ألف دينار، فهو خيرٌ ممّن يقدم عليه بمجرّد إعطاء دينار، ومَن لا يقدم عليه بإعطاء ألف دينار، بل بإعطاء آلاف آلاف دينار فهو خيرٌ ممّن يقدم عليه بإعطاء ألف دينار وهكذا. فإن كان أحدٌ بحيث لو اعطي له جميع خزائن الأرض لا يقدم على الفعل، فلا شكّ أنّه أجدر بالمدح والثناء ممّن لم يكن كذلك، ولا شكَّ أيضاً أنّه إذا كان الشخص المذكور بحيث يجوز أن يصدر عنه الفعل بسبب إعطاء خزائن الأرض أنّه ليس في مرتبة ما إذا كان يمتنع عنه الإقدام المذكور بسبب ذلك الإعطاء؛ ألا ترى أنّ كافّة ذوي العقول يقولون في مقام المدح: إنّ فلاناً بحيث إذا اعطي له خزائن الأرض يمتنع أن يقدم على القبيح.
فظهر أنّ الذات كلّما كانت أقرب من أن يمتنع عنه صدور القبيح، كانت أكمل وأولى، وإذا بلغت حدّ الامتناع فباطريق الأولى.
وبعد التأمّل فيما ذكرنا يستبان أنّ كون الذات موجبة لفعل الحسن والقبيح بعد حصول العلم بمنفعتها لا يقدح في استحقاق المدح والذمّ، والثواب والعقاب، بل يؤكّده ويحقّقه كما أشرنا إليه.
فإن قلت: إذا قال الشخص- الذي فرض أنّ ذاته موجبة لفعل القبيح بعد حصول العلم له بنفعه في مقام الاعتذار عن فعل القبيح وطلب التفصّي عنه-: إنّي كيف أصنع؟ وما الحيلة لي في الخلاص عنه؟ فإنّي إن أردت أن لا أفعل القبيح لما أمكن لي، ويصدر عن ذاتي القبيح ألبتّة، فحينئذٍ فما الجواب عنه؟
قلت: لو فرض هذا القول منه، فهو قولٌ منه باللسان وحده، وليس في قلبه منه عينٌ ولا أثر، إذ لو كان أحدٌ بحيث يريد أن لا يفعل القبيح لا يفعله البتّة، إلّاإذا كان مجبوراً بالمعنى الذي ذكرنا سابقاً، وهو خارج عمّا نحن فيه، وكذا لو قال في طلب التفصّي عن فعل القبيح والحيلة في تركه لما كان يفعله إذا كان مخلّى بطبعه، فالشخص المفروض- الذي يفعل القبيح وإن كان مخلّى وطبعه- ليس يميل طبعه مثلًا جازماً إلى ترك القبيح ألبتّة،