الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢١٧ - باب طينة المؤمن والكافر
والثواب والعقاب. كيف ولو كان بعد حصول العلم بمصلحة محرّم مثلًا، يجب أن يصدر ذلك المحرّم عن الفاعل، فأيّ ذنب للفاعل في ذلك؟ إذ ليس له ذنب في حصول العلم أصلًا، ضرورةً واتّفاقاً، سواء قيل: إنّ حصول العلم منه بالإيجاب، أو لا. وبعد حصول العلم لا يمكن أن يمتنع صدور الفعل، بل يصدر البتّة، فلأيّ معنى يكون الفاعل مذنباً ومستحقّاً للتوبيخ والتنديم؟ وهل هذا إلّامثل أن يكون لرجل ثلاثة عبيد، سمّى أحدهما بالعلم، والآخر بالإرادة، والآخر بالفاعل، وشدّ حبلًا على وسط العبيد وكان رأس الحبل بيده، فجذبه بحيث سقطت العبيد، وكان سقوط العلم مستلزماً لسقوط الإرادة، وسقوط الإرادة مستلزماً لسقوط الفاعل؟ فهل يجوز حينئذٍ أن يضرب السيّد الفاعل لأجل سقوطه باعتبار أنّ العلم والإرادة من جملة أسباب سقوطه؟ وهل يجوّز عاقل مثل ذلك؟
قلت: لو كان مجرّد العلم سبباً موجباً للإرادة أو الفعل، كان الأمر كما ذكرته، لكنّه ليس كذلك، بل العلم بالمصلحة مثلًا يصيرفي بعض الموادّ سبباً موجباً للفعل- إن قلنا: إنّ الإرادة ليست إلّاالداعي- أو للإرادة إن قلنا: إنّها غيره، وفي بعض الموادّ لا يصير سبباً لأحدهما، كما أنّ الصالح والطالح مشتركان في العلم بمنفعة الخمر مثلًا، وذلك العلم يكون في الطالح سبباً موجباً لشربه، أو للإرادة الموجبة له، ولا يكون في الصالح كذلك، فهذا الأمر الذي يوجب كون الطالح مذنباً مستحقّاً للذمّ والعقاب دون الصالح.
فإن قلت: حاصل ما ذكرته يرجع إلى أنّ حصول العلم بمصلحة الخمر في مادّة الطالح لمّا كان موجباً للشرب أو إرادته دون مادّة الصالح، فلا جرم يكون لمادّته مدخل في حصول الشرب، فيكون الذمّ والتوبيخ لأجله، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ ذات الطالح إذا كان موجبة لفعل المحرّم، فأيّ ذنبٍ له في فعله؟
قلت: أيّ فساد في أن يكون ذات الفاعل الطالح موجبة لفعل المحرّم بشرط حصول العلم له بنفعه، وسبباً لاستحقاق اللوم والعقاب؟ وفي قول من قال بأنّ الذات لابدّ أن يكون لها مدخل في حصول الفعل حتّى تكون مستحقّة للثواب والعقاب؟
والعجب أنّ جمهور أهل العرف إذا حاولوا المبالغة في ذمّ أحد أو مدحه، يقولون: إنّ ذاته كذا وكذا، ثمّ إذا وصلوا إلى هذا المقام، يعدّونه مستنكراً و يستهزئون عنه.
ولو قيل: إنّا لا ننكر أن يكون للذات مدخل في حصول الشرّ والخير، ويكون الفاعل مستحقّاً للثواب والعقاب والمدح والذمّ، ولكن ننكر أن تكون موجبة لهما بشرط العلم، ومع ذلك كان الأمر كذلك.