الانتصار في انفرادات الإمامية - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩ - سماته الخلقية و صفاته الخلقية
و لم يكن الشريف الرضي وحده معللا نفسه بهذه الآمال الجسام، و ممنيها تلك الأمنيات العظام، بل نجد المخلصين له من أحبائه و أصحابه يتفرسون به نيل تلك الرتب، و الوصول إلى ذلك المرام و لو بعد حين، لذلك كتب إليه أبو إسحاق الصابي في هذا المعنى:
أبا حسن لي في الرجال فراسة * * * تعودت منها أن تقول فتصدقا
و قد خبرتني عنك أنك ماجد * * * سترقى إلى العلياء أبعد مرتقى
فوفيتك التعظيم قبل أوانه * * * و قلت، أطال الله للسيد البقاء
و أضمرت منه لفظة لم أبح بها * * * إلى أن أرى إظهارها لي مطلقا
فإن عشت أو إن مت فاذكر بشارتي * * * و أوجب بها حقا عليك محققا
و كن لي في الأولاد و الأهل حافظا * * * إذا ما اطمأن الجنب في موضع النقا
ثم نرى الشريف يعد الصابي ببلوغ الآمال، إن ساعد الدهر [١] بقصيدة أيضا مذكورة في ديوانه، و أولها:
سننت لهذا الرمح غربا مذلقا * * * و أجريت في ذا الهندواني رونقا
و نظم الشريف في هذا المعنى و الغرض كثير يزخر به ديوانه الضخم.
فالشريف الرضي مع هذه الهمة العالية، و النفس الطامحة، و الأنف الحمي، و القلب الجريء، و اللسان المصلت كالسيف الصارم، كان في الحقيقة شبحا مخيفا، بل قنبلة مرصدة إزاء كيان ملك بني العباس، لا يدرون متى تنفجر، فتزعزع سلطانهم، و تعصف بدولتهم، لذا يقول:
متى أرى الزوراء مرتجة * * * تمطر بالبيض الظبا أو تراح
يصيح فيها الموت عن ألسن * * * عن العوالي و المواضي فصاح
فمن أجل ذلك نرى الوزراء و الملوك، بل الخلفاء أنفسهم، يدارونه، مداراة من
[١] راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ط. مصر ١- ١١- ١٢، و قد جاء في ديوان الشريف الرضي ١- ٤١٧، و في عمدة الطالب طبع بمبئي سنة ١٣١٨ هص ١٧٤ أنه كان الرضي يرشح إلى الخلافة، و كان أبو إسحاق الصابي يطمعه فيها و يزعم أن طالعه يدل على ذلك.