الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٧١ - باب الغيرة
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا زيد المروزى، رحمه اللّه، يقول: سمعت إبراهيم بن شيبان يقول. سمعت محمد بن حسان يقول: بينا أنا أدور فى جبل لبنان، إذ خرج علينا رجل شاب قد أحرقته السموم[١] و الرياح؛ فلما نظر إلى ولى هاربا، فتبعته، و قلت له تعظنى بكلمة؟
فقال لى: احذر، فانه غيور، لا يحب أن يرى فى قلب عبده سواه.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن، رحمه اللّه، يقول: قال النصراباذى: الحق تعالى غيور، و من غيرته: أنه لم يجعل إليه طريقا سواه.
و قيل: أوحى اللّه، سبحانه، إلى بعض أنبيائه: أن لفلان إلى حاجة، ولى أيضا إليه حاجة، فان قضى حاجتى قضيت حاجته؛ فقال ذلك النبى، ٧ فى مناجاته: إلهى؛ كيف يكون لك حاجة؟ فقال: إنه ساكن بقلبه غيرى فليفرغ قلبه عنه أقض حاجته.
قيل: إن أبا يزيد البسطامى رأى جماعة من الحور العين فى منامه .. فنظر إليهن، فسلب وقته أياما، ثم إنه رأى فى منامه جماعة منهن، فلم يلتفت إليهن و قال:
إنكن شواغل.
و قيل: مرضت رابعة العدوية، فقيل لها: ما سبب علتك؟
فقالت: نظرت بقلبى إلى الجنة فأدبنى، فله العتبى، لا أعود.
و يحكى عن السرى أنه قال: كنت أطلب رجلا صديقا لى مدة من الأوقات فمررت فى بعض الجبال، فاذا أنا بجماعة زمنى و عميان و مرضى، فسألت عن حالهم، فقالوا: هاهنا رجل يخرج فى السنة مرة يدعو لهم فيجدون الشفاء، فصبرت حتى خرج .. و دعا لهم فوجدوا الشفاء، فقفوت أثره و تعلقت به، و قلت له:
بى علة باطنة .. فما دواؤها؟
فقال: يا سرى، خل عنى، فانه- تعالى- غيور لا يراك تساكن غيره فتسقط من عينه.
قال الأستاذ: و منهم من غيرته، حين يرى الناس يذكرونه، تعالى بالغفلة فلا يمكنه رؤية ذلك و تشق عليه.
[١] - الريح الحارة.