الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٨٤ - باب الخلوة و العزلة
لم تجمع عنى ثيابك، ليست ثيابى نجسة؟
فقال الشيخ: و همت فى ظنك، ثيابى هى النجسة، جمعتها عنك؛ لئلا تنجس ثيابك، لا لكى لا تنجس ثيابى.
و من آداب العزلة:
أن يحصل من العلوم ما يصحح به عقد توحيده؛ لكى لا يستهويه الشيطان بوساوسه، ثم يحصل من علوم الشرع ما يؤدى به فرضه، ليكون بناء أمره على أساس محكم. و العزلة فى الحقيقة: اعتزال الخصال المذمومة فالتأثير[١] لتبديل الصفات، لا للتنائى عن الأوطان، و لهذا قيل: من العارف؟ قالوا: كائن بائن، يعنى: كائن مع الخلق، بائن عنهم بالسر.
سمعت الأستاذ أبا على الدقاق، رحمه اللّه، يقول:
إلبس مع الناس ما يلبسون، و تناول مما يأكلون، و انفرد عنهم بالسر[٢].
و سمعته يقول: جاءنى إنسان، و قال: جئتك من مسافة بعيدة. فقلت: ليس هذا الحديث[٣] من حيث قطع المسافة[٤] و مقاساة الأسفار فارق نفسك و لو بخطوة، فقد حصل مقصودك.
و يحكى عن أبى يزيد قال: رأيت ربى عز و جل فى المنام، فقلت: كيف أجدك؟
فقال: فارق نفسك و تعال.
سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى، رحمه اللّه، يقول: سمعت أبا عثمان المغربى يقول: من اختار الخلوة على الصحبة ينبغى أن يكون خاليا من جميع الأذكار إلا ذكر ربه، و خاليا من جميع الإرادات إلا رضا ربه، و خاليا من مطالبة النفس من جميع الأسباب، فان لم يكن بهذه الصفة، فان، خلوته توقعه فى فتنة أو بلية.
و قيل: الإنفراد فى الخلوة أجمع لدواعى السلوة.
[١] - أى تأثير العزلة.
[٢] - أى فيما بينك و بين اللّه.
[٣] - أى حصول علم الصوفية.
[٤] - و فى نسخة المسافات.