المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٢٢ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
و تعقب: بأنه لا ترضى نسبته- صلى اللّه عليه و سلم- إلى ذلك، لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة بعدم الفترة عن التسبيح و المشاهدة، و لقوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «لست أنسى و لكن أنسى لأسنّ» [١] فهذه ليست فترة و إنما هى لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعى، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة فيه، و هو ما دفع إليه من مقاساة البشر و سياسة الأمة، و معاناة الأهل، و حمل كل أعباء النبوة و حمل أثقالها. انتهى.
و قيل: الغين شيء يعترى القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: و هذا أشار إليه الرافعى فى أماليه، و قال: إن والده كان يقرره. و قيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر لهم.
و قيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، و الاستغفار لإظهار العبودية للّه تعالى، و الشكر لما أولاه.
و قال شيخ الإسلام ابن العراقى أيضا: هذه الجملة حالية، أخبر- صلى اللّه عليه و سلم- أنه يغان على قلبه مع أن حاله الاستغفار فى اليوم مائة مرة، و هى حال مقدرة، لأن الغين ليس موجودا فى حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: و على تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، و أن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، و حجابا بينه و بينها، فينجمع القلب حينئذ على اللّه تعالى و يتفرغ للاستغفار شكرا و ملازمة للعبودية، قال: و هذا معنى ما قاله القاضى عياض، انتهى و مراده قوله فى «الشفاء»: و قد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية و إعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا للّه تعالى، و ملازمة لعبوديته إلى آخر كلامه.
قال الشيخ ابن العراقى: و هو عندى كلام حسن جدّا، و تكون الجملة
[١] ضعيف: أخرجه مالك فى «الموطأ» (١/ ١٠٠) بلاغا، و هو أحد الأحاديث الأربعة التي قال عنها ابن عبد البر فى «التمهيد» التي لا يوجد فى غيره مسندة و لا مرسلة، انظر «التمهيد» لابن عبد البر (٢٤/ ٣٧٥).