المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٢٣ - الفصل الثانى فيما خصّه اللّه تعالى به من المعجزات و شرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات و الآيات البينات
الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار فى إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، و هو الذي تسبب عنه الاستغفار، و ترتب عليه، و هذا أنزه الأقوال و أحسنها لأن الغين حينئذ وصف محمود و هو الذي نشأ عنه الاستغفار، و على الأول يكون «الغين» مما يسعى فى إزالته بالاستغفار، و ما ترتب الإشكال و جاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، و أهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحاله- صلى اللّه عليه و سلم-، و هو الغشاء الذي يصرف القلب و يحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما و قد رتب على الغشاء أمرا محمودا و هو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، انتهى.
و ذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء اللّه فى كتابه «لطائف المنن» أن الشيخ أبا الحسن الشاذلى قال: رأيت النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى النوم فسألته عن هذا الحديث «إنه ليغان على قلبى» فقال لى: «يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار» [١].
القسم الثانى: ما اختص به- صلى اللّه عليه و سلم- مما حرم عليه:
* فمنها: تحريم الزكاة عليه،
و كذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قال- صلى اللّه عليه و سلم-: «إنا لا نأكل الصدقة» [٢] رواه مسلم، و من قال بإباحتها له يقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزها مع إباحتها له، و هذا خلاف ظاهر الحديث. قال شيخ الإسلام ابن العراقى، فى شرح التقريب: و على كل حال ففيه أن من خصائصه- صلى اللّه عليه و سلم- الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبا و إما تنزها، انتهى. و الحكمة من ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس.
[١] قلت: إن ديننا يؤخذ من الوحى، لا من المنامات، و بخاصة إذا كانت تخالف ظاهر الدين، خشية أن تكون من إلقاء الشيطان إلى النفس، و هو ما يكون غالبا، و ليحذر المسلم الحقيقي من مثل هذه المنامات.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (١٤٩١) فى الزكاة، باب: ما يذكر فى الصدقة للنبى- صلى اللّه عليه و سلم-، و مسلم (١٠٦٩) فى الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-، من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.