كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩٩٨
الحسن بن عبد اللّه بن حمدان ناصر الدولة، فتذاكرنا أمر الناحية، قال: كنت أزري عليها (١) إلى أن حضرت مجلس عمّي الحسين يوما، فأخذت أتكلّم في ذلك، فقال: يا بني قد كنت أقول بمقالتك هذه إلى أن ندبت (٢) إلى ولاية قم حين استصعبت على السلطان، و كان كلّ من ورد إليها من جهة السلطان يحاربه أهلها، فسلّم إليّ جيش و خرجت نحوها، فلمّا خرجت إلى ناحية طرو خرجت إلى الصيد ففاتتني طريدة فأتبعتها و أوغلت في أثرها حتّى بلغت إلى نهر فسرت فيه، فكلّما سرت يتّسع النهر، فبينا أنا كذلك إذ طلع عليّ فارس تحته شهباء و هو متعمّم بعمامة خزّ خضراء لا أرى منه سواد عينيه، و في رجليه خفّان أحمران، فقال لي: يا حسين، و ما أمرني و لا كنّاني، فقلت: ما ذا تريد؟ فقال: لم تزري على الناحية و لم تمنع أصحابي خمس مالك؟
و كنت رجلا وقودا لا أخاف شيئا، فأرعدت و تهيّبته، و قلت له: أفعل يا سيّدي ما تأمر به، فقال: إذا أتيت إلى الموضع الذي أنت متوجّه إليه فدخلته عفوا و كسبت ما كسبته فيه، تحمل خمسه إلى مستحقّه، فقلت: السمع و الطاعة، فقال: امض راشدا، و لوى عنان دابّته و انصرف، فلم أدر أيّ طريق سلك، فطلبته يمينا و شمالا فخفي عليّ أمره، فازددت رعبا و انكفأت راجعا إلى عسكري، و تناسيت الحديث.
فلمّا بلغت قم و عندي أنّني أريد محاربة القوم خرج إليّ أهلها و قالوا: كنّا نحارب من يجيئنا لخلافهم لنا، و أمّا إذا وافيت أنت فلا خلاف بيننا و بينك، أدخل البلدة فدبّرها كما ترى، فأقمت فيها زمانا، و كسبت أموالا زائدة على ما كنت أقدّر، ثمّ وشى القوّاد بي إلى السلطان و حسدت على طول مقامي و كثرة ما اكتسبت، فعزلت و رجعت إلى بغداد، فابتدأت بدار السلطان فسلّمت و أقبلت إلى منزلي، و جاءني فيمن جاءني محمّد بن عثمان العمري، فتخطّى رقاب الناس حتّى اتّكأ على تكائي فاغتظت من ذلك، و لم يزل قاعدا لا يبرح و الناس يدخلون و يخرجون، و أنا أزداد غيظا، فلمّا تصرّم المجلس (٣) دنا إليّ و قال: بيني و بينك سرّ فاسمعه، فقلت: قل:
فقال: صاحب الشهباء و النهر يقول: قد وفينا بما وعدنا، فذكرت الحديث و ارتعدت
(١) رزى عليه عمله: عابه.
(٢) ندبه إلى الأمر: دعاه و رشحه للقيام به و حثّه عليه.
(٣) أي انقضى وقته و تفرّق الناس.