كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٣٢
حدّثنا الحسين بن زيد عن عمّه عمر بن علي عن أبيه علي بن الحسين (عليهما السلام) أنّه كان يقول: لم أر مثل التقدم في الدعاء، فإنّ العبد ليس تحضره الإجابة في كلّ وقت.
و كان ممّا حفظ عنه (عليه السلام) من الدعاء حين بلغه توجّه مسرف بن عقبة (١) إلى المدينة: ربّ كم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري، و كم من بليّة ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، و يا من قلّ عند بلائه صبري فلم يخذلني، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، و يا ذا النعماء التي لا تحصى عددا، صلّى على محمّد و آل محمّد و ادفع عنّي شرّه، فإنّي أدرأ بك في نحره و أستعيذ بك من شرّه.
فقدم مسرف بن عقبلة المدينة و كان يقال: لا يريد غير علي بن الحسين (عليهما السلام)، فسلم منه و أكرمه و حباه و وصله.
و جاء الحديث من غير وجه أنّ مسرف بن عقبة لمّا قدم إلى المدينة أرسل إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فأتاه، فلمّا صار إليه قرّبه و أكرمه، و قال له: وصّاني أمير المؤمنين ببرّك و تمييزك من غيرك فجزّاه خيرا، ثمّ قال: أسرجوا له بغلتي، و قال له: انصرف إلى أهلك فإنّي أرى أن قد أفز عناهم و أتعبناك بمشيك إلينا، و لو كان بأيدينا ما نقوى به على صلتك بقدر حقّك لوصلناك، فقال له علي بن الحسين (عليهما السلام): ما أعذرني للأمير و ركب،
(١) و هو مسلم بن عقبة المري، و سمّوه لقبيح صنيعه و إسرافه في إهراق الدماء مسرفا، بعثه يزيد بن معاوية في سنة ٦٣ لمقاتلة أهل المدينة فعلى الباعث و المبعوث لعائن اللّه و الملائكة و النّاس أجمعين فنزل حرة و أقم و خرج إليه أهل المدينة يحاربونه فكسرهم و قتل من الموالي ثلاثة آلاف و خمسمائة رجل و من الأنصار ألفا و أربعمائة، و قيل: ألفا و سبعمائة و من قريش ألفا و ثلاثمائة، و دخل جنده المدينة فنهبوا الأموال و سبوا الذرية و استباحوا الفروج و حملت منهم ثمانمائة حرّة و ولدن و كان يقال لأولئك الأولاد أولاد الحرة و لم يسلم منهم بيت إلّا بيت علي بن الحسين (عليه السلام) و ذلك لوصية يزيد له في أمره و قال له و انظر علي بن الحسين فاكفف عنه و استوص به خيرا و ادن مجلسه فإنّه لم يدخل في شيء ممّا دخل أهل المدينة فيه، ثمّ أحضر الأعيان لمبايعة يزيد بن معاوية فلم يرض إلّا أن يبايعوه على أنّهم عبيد ليزيد بن معاوية، فمن تلكأ و أبطأ في البيعة أمر بضرب عنقه ثمّ انصرف بعد هذه الأعمال القبيحة نحو مكة لمقاتلة عبد اللّه بن الزبير و هو مريض مدنف فمات بعد أيام و القصة طويلة مدونة في كتب التواريخ أشرنا إليها، و كانت بعد قتل الحسين (عليه السلام) و رمي الكعبة بالمنجنيق من أشنع شيء جرى في أيّام يزيد بن معاوية عليه اللعنة و العذاب.