كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩٣٦
قال أبو عبد اللّه بن عياش: هذه أم غانم صاحبة الحصاة غير تلك صاحبة الحصاة و هي أم الندى حبابة بنت جعفر الوالبية الأسدية، و الثالثة التي طبع فيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) فهي أم سليم، و كانت وارثة الكتب، و لكلّ واحدة منهنّ خبر قد رويته و لم أطل الكتاب بذكره.
قلت: و إنّما ذكرت هذه لأنّه أتم ممّا تقدّم.
و حدّث أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: كنت في الحبس المعروف بحبس حسيس (١) في الجوسق الأحمر، أنا و الحسن بن محمّد العقيقي و محمّد بن إبراهيم العمري و فلان و فلان، إذ دخل علينا أبو محمّد الحسن و أخوه جعفر، فخفنا له (٢) و كان المتولّي لحبسه صالح بن وصيف، و كان معنا في الحبس رجل جمحي يقول: إنّه علوي، قال: فالتفت أبو محمّد فقال: لو لا أنّ فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرّج عنكم، و أومأ إلى الجمحي أن يخرج فخرج، فقال أبو محمّد: هذا ليس منكم فاحذروه، فإنّ في ثيابه قصّة قد كتبها إلى السلطان يخبره فيها بما تقولون فيه.
فقام بعضهم ففتّش ثيابه فوجد القصّة يذكرنا فيها بكلّ عظيمة.
و كان الحسن (عليه السلام) يصوم فإذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله غلامه إليه في جونة (٣) مختومة، و كنت أصوم معه، فلمّا كان ذات يوم ضعفت فأفطرت في بيت آخر على كعكة (٤) و ما شعر و اللّه به أحد، ثمّ جئت فجلست معه، فقال لغلامه: أطعم أبا هاشم شيئا فإنّه مفطر، فتبسّمت، فقال: ما يضحكك يا أبا هاشم إذا أردت القوّة فكل اللحم فإنّ الكعك لا قوّة فيه، فقلت: صدق اللّه و رسوله و أنتم، فقال لي: أفطر ثلاثا فإنّ المنّة (٥) لا ترجع إذا نهكها الصوم في أقلّ من ثلاث.
فلمّا كان في اليوم الذي أراد اللّه أن يفرّج عنه جاءه الغلام فقال: يا سيّدي أحمل فطورك؟ فقال: احمل و ما أحسب إنّا نأكل منه، فحمل الغلام الطعام للظهر و أطلق عنه عند العصر و هو صائم، و قال: كلوا هنّاكم اللّه.
(١) و في بعض النسخ «حبيس» و نسخة المصدر خلت من اللفظة رأسا.
(٢) أي أسرعنا إلى خدمته، و في بعض النسخ «فحففنا به» بالحاء المهملة من قولهم حف له أي أطاف به.
(٣) الجونة: الخابية المطلية بالغار.
(٤) الكعكة واحدة الكعك: خبز يعمل مستديرا من الدقيق و الحليب و السكر أو غير ذلك معرب «كاك».
(٥) المنة- بالضم-: القوّة.