كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٨١
و هذا معنى شريف يكشف بمدلوله حجاب الشبهة، و يهدي به اللّه من حسر عن بصره و بصيرته رين العمى و العمة، و ليت السيّد كان حيّا لأهدي هذه العقيلة إليه، و أجلو عرائسها عليه، فما أظنّ أنّ هذا المعنى اتّضح من لفظ الدعاء لغيري، و لا أنّ أحدا سار في إيضاح مشكله و فتح مقفله مثل سيري، و قد ينتج الخاطر العقيم فيأتي بالعجائب، و قديما ما قيل: مع الخواطئ سهم صائب.
و قال ابن حمدون في تذكرته: قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): وجدت علم الناس في أربع: أوّلها أن تعرف ربّك، و الثانية أن تعرف ما صنع بك، و الثالثة أن تعرف ما أراد منك، و الرابعة أن تعرف ما يخرجك من دينك.
معنى هذه الأربع: الاولى وجوب معرفة اللّه تعالى التي هي اللطف، الثانية معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعيّن عليك لأجلها الشكر و العبادة، الثالثة أن تعرف ما أراد منك فيما أوجبه عليك و ندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منك
مرتبة من مراتب الوجود خصوصية و حالة لا تدرك إلّا بالدخول في تلك المرتبة و لا توجد كمالها إلّا بعد الوصول إلى تلك الحالة و ذلك مثل التفرج في البساتين و المزارع في أول الربيع فإنّه قد يدرك بالتوصيف و البيان شعرا و نثرا من متكلم فصيح فيمكن له توصيفها بحيث يرى المستمع نفسه في وسط تلك البستان الخيالي مثلا و لكن ليست إلّا أوصاف تنتقش منها صورة خيالية يكون قوامها في الوجود بتوجه النفس و انعدامها بقطع ذلك التوجه، و أمّا الدرك الحقيقي فهو لا يوجد إلّا لمن دخل تلك البساتين و المزارع و وجد لذة التفرج و أكل الثمار و الانتفاع من الأنهار و الأزهار عيانا، و قد ثبت في علم الفلسفة أيضا أنّ درك لذات العالم بتشخص الوجود لا الماهية، و لعلّ هذا أحد أسرار قصة المعراج و سيره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جميع العوالم، فإنّه لا بدّ لهذا النبي إذا أراد أن يصير واجدا لجميع الكمالات السير في جميع العوالم و استكمال جهة الملكوتية و اللاهوتية الكائنة في وجوده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنسه و ارتباطه مع كلّ من سكنها حتّى تحصل السنخية و يدرك لذّة مراتب الوجود بأسرها و تمامها.
إذا عرفت هذا فنقول: إنّ العبد الكامل من عبد اللّه في جميع مراتب العبودية و حيث كانت العبادة على أقسام فقسم منها عبادة المخلصين الراجين، و قسم منها عبادة الخائفين العاصين، و كان الإمام (عليه السلام) طالبا لأن يعبد اللّه بالعبودية الكاملة و السير في جميع مراحلها ففي بعض الأحيان نزل نفسه منزلة المذنب العاصي و يذكر في دعائه ما يقوله المرتكب لجميع المعاصي و ليس ذلك إلّا لما ذكر من درك ملاذ العبادة بجميع أقسامها و الوصول إلى كمال العبودية من طرقها بأسرها.
و يشهد لما ذكرنا بل يدلّ عليه قول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه في التذلل للّه (على ما في الصحيفة الكاملة- الدعاء الثالث و الخمسون) قال (عليه السلام) بعد كلام له ... قد أوقفت نفسي موقف الأذلّاء المذنبين، موقف الأشقياء المتبحّرين عليك، المستخفين بوعدك ... الدعاء. و هذا هو المراد في جميع ما ورد في الأدعية من الاعتراف بالذنب و المعصية من هؤلاء المعصومين (عليهم السلام).