كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٤٥
يزل كذلك حتّى ذهب الليل، فلمّا رأى الفجر جلس في مصلّاه يسبح ثمّ قام فصلّى الغداة و طاف بالبيت أسبوعا فخرج فتبعته و إذا له غاشية (١) و موال و هو على خلاف ما رأيته في الطريق، و دار به الناس من حوله يسلّمون عليه، فقلت لبعض من رأيته يقرب منه: من هذا الفتى؟ فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام)، فقلت قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلّا لمثل هذا السيّد.
و لقد نظم بعض المتقدّمين واقعة شقيق معه في أبيات طويلة اقتصرت على ذكر بعضها، فقال:
سل شقيق البلخي عنه و ما * * * عاين منه و ما الذي كان أبصر
قال لما حججت عاينت شخصا * * * شاحب اللون ناحل الجسم أسمر (٢)
سائرا وحده و ليس له * * * زاد فما زلت دائما أتفكّر
و توهّمت أنّه يسأل الناس * * * و لم أدر أنّه الحج الأكبر
ثمّ عاينته و نحن نزول * * * دون فيد على الكثيب الأحمر (٣)
يضع الرمل في الإناء و يشربه * * * فناديته و عقلي محير
اسقني شربة فناولني * * * منه فعاينته سويقا و سكر
فسألت الحجيج من يك هذا؟ * * * قيل هذا الإمام موسى بن جعفر
فهذه الكرامات العالية المقدار الخارقة للعوائد هي على التحقيق حلية المناقب و زينة المزايا، و غرر الصفات، و لا يؤتاها إلّا من أفاضت عليه العناية الربانية أنوار التأييد، و مرّت له أخلاق التوفيق، و أزلفته من مقام التقديس و التطهير وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.
و لقد قرع سمعي ذكر واقعة عظيمة ذكرها بعض صدور العراق، أثبتت لموسى (عليه السلام) أشرف منقبته، و شهدت له بعلوّ مقامه عند اللّه تعالى، و زلفى منزلته لديه، و ظهرت بها كراماته بعد وفاته، و لا شك أنّ ظهور الكرامة بعد الموت أكثر منها دلالة حال الحياة، و هي:
(١) الغاشية: السؤال يأتونك و الزوار و الأصدقاء ينتابونك.
(٢) شحب لونه: تغيّر من جوع أو هزال أو سفر. و نحل جسمه: هزل.
(٣) فيد: منزل بطريق مكة سمّي بفيد بن حام و هو أوّل من نزل به. و الكثيب: التل من الرمل.