كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٠٩
بقضاء من اللّه و قدره، فقال الشيخ: عند اللّه أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين (١)، فقال:
مهلا يا شيخ لعلّك تظنّ قضاء حتما و قدرا لازما، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر، و لسقط معنى الوعد و الوعيد، و لم يكن على المسيء لائمة و لا للمحسن محمدة، و لكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، و المذنب أولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و خصماء الرحمن، و قدرية هذه الامّة و مجوسها، يا شيخ إنّ اللّه عزّ و جلّ كلّف تخييرا و نهى تحذيرا، و أعطى على القليل كثيرا، و لم يعص مغلوبا و لم يطع مكرها، و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا (٢) ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النّار.
(١) الظاهر سقط جملة من هنا و هي كما في رواية الكليني بعد قوله «عند اللّه أحتسب عنائي» هكذا: «فقال له: مه يا شيخ فو اللّه لقد عظّم اللّه الأجر في مسيركم و أنتم سائرون، و في مقامكم و أنتم مقيمون، و في منصرفكم و أنتم منصرفون، و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين و لا إليه مضطرين، فقال له الشيخ: و كيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين و لا إليه مضطرين و كان بالقضاء و القدر مسيرنا و منقلبنا و منصرفنا؟ فقال له: و تظن أنّه كان قضاء حتما اه». و سيأتي معنى قوله «و عند اللّه أحتسب عنائي» في آخر الحديث.
(٢) قال المجلسي رحمه اللّه في البحار: قوله «عند اللّه أحتسب عنائي» أي لما لم نكن مستحقين للأجر لكوننا مجبورين فأحتسب أجر مشقتي عند اللّه لعلّه يثيبني بلطفه و يحتمل أن يكون استفهاما على سبيل الإنكار، و قال الجزري: الاحتساب من الحسب كالاعتداد من العد و إنّما قيل لمن ينوي بعلمه وجه اللّه: احتسبه لأنّ له حينئذ أن يعتد عمله، و الاحتساب في الأعمال الصالحات، و عند المكروهات هو البدار إلى طلب الأجر و تحصيله بالتسليم و الصبر، أو باستعمال أنواع البر و القيام بها على الوجه المرسوم فيها طلبا للثواب المرجو منها. (انتهى) و قال الأستاذ العلامة الطباطبائي دامت بركاته في تفسيره الميزان ج ١ ص ٩٧ بعد ذكر الحديث: كان القول بالقضاء و القدر في الصدر الأول مساوقا لارتفاع الحسن و القبح و الجزاء بالاستحقاق و لذلك لمّا سمع الشيخ منه (عليه السلام) كون المسير بقضاء و قدر قال و هو في مقام التأثر و اليأس: عند اللّه أحتسب عنائي أي إنّ مسيري و إرادتي فاقدة الجدوى من حيث تعلق الإرادة الإلهية بها فلم يبق لي إلّا العناء و التعب من الفعل فأحتسبه عند ربّي فهو الذي أتعبني بذلك، فأجاب عنه الإمام (عليه السلام) بقوله: «لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب اه» و هو أخذ بالأصول العقلائيّة التي أساس التشريع مبني عليها، و استدلّ في آخر كلامه (عليه السلام) بقوله: «و لم يخلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا اه» و ذلك لأنّ صحّة الإرادة الجزافية التي هي من لوازم ارتفاع الاختيار يوجب إمكان تحقق الفعل من غير غاية و غرض و هو يوجب إمكان ارتفاع الغاية عن الخلقة و الإيجاد و هذا الإمكان يساوق الوجود فلا غاية على هذا التقدير للخلقة و الإيجاد، و ذلك خلق السماوات و الأرض و ما بينهما باطلا، و فيه بطلان المعاد و فيه كلّ محذور، و قوله: و لم يعص مغلوبا