كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٦٣
قتله (عليه السلام) سمّا جعله في طعامه قدمه إليه و يقال: إنّه جعله في رطب أكل منه، فأحسّ بالسم و لبث بعده ثلاثا موعوكا (١) منه ثمّ مات في اليوم الثالث.
و لمّا مات موسى (عليه السلام) أدخل السندي بن شاهك الفقهاء و وجوه أهل بغداد و فيهم الهيثم بن عدي و غيره، فنظروا إليه و لا أثر به من جراح و لا خنق، و أشهدهم على أنّه مات حتف أنفه، فشهدوا على ذلك، و أخرج و وضع على الجسر ببغداد و نودي هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرّسون في وجهه و هو ميّت صلوات اللّه عليه.
و قد كان قوم زعموا في أيّام موسى (عليه السلام) أنّه هو القائم المنتظر و جعلوا حبسه هو الغيبة المذكورة للقائم، فأمر يحيى بن خالد أن ينادى عليه عند موته: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت فانظروا إليه، فنظر الناس إليه ميتا، ثمّ حمل و دفن في مقابر قريش من باب التين، و كانت هذه المقبرة لبني هاشم.
و روي أنّه (عليه السلام) لمّا حضرته الوفاة سأل السندي أن يحضره مولى له مدنيا ينزل عند دار العباس بن محمّد في مشرعة القصب ليتولّى غسله و تكفينه ففعل ذلك.
قال السندي بن شاهك: و كنت سألته في الإذن لي أن أكفّنه فأبى، و قال: إنّا أهل بيت مهور نسائنا و حجّ صرورتنا (٢) و أكفان موتانا من طاهر أموالنا و عندي كفن و أريد أن يتولّى غسلي و جهازي مولاي فلان، فتولّى ذلك منه.
قلت: بعدا لهذه الأحلام الهافية و الأديان الواهية، و العقائد المدخولة و النخل المجهولة، و الأنفس الظالمة، و الحركات الفاسدة، و الأهواء الغالبة، و الهمم القاصرة، و السيرة القاسطة، و الطبائع العادية، و العقول الغائبة، فلقد أتوها شنعاء شوهاء جذّاء، تبكي لها الأرض و السماء، و أظلم منها النهار، و تجاوزت حدّها الأقدار، و لم يأت بمثلها الكفّار، هل عرفوا أيّ دم سفكوا؟ و أيّ حرمة انتهكوا؟ و بمن فتكوا حين فتكوا؟ و كيف أساءوا حين ملكوا؟ فما أبقى و لا تركوا، لم يخافوا أن تميد بهم الأرض فتهلكهم بزلزالها، و تحلّ بهم المنايا فتعركهم بثفالها (٣)، أو تمطرهم السماء بالعذاب،
(١) الوعك: الحمى.
(٢) الصرورة: الذي لم يحج بعد.
(٣) الثفال: جلد يبسط فتوضع فوقه الرحى فيطحن باليد ليسقط عليه الدقيق و منه قول زهير في معلقته:
فتعرككم عرك الرحى بثفالها * * * و تلقح كشافا ثم تنتج فتتئم