كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩٠٧
كريمة إلّا و له فضيلتها، و لا تورد حسنة إلّا و له تفصيلها و جملتها، و لا تستعظم حالة سنيّة إلّا و تظهر عليه أدلّتها استحقّ ذلك بما في جوهر نفسه من كرم تفرّد بخصائصه، و مجد حكم فيه على طبعه الكريم، فحفظه من الشوب حفظة الراعي لقلائصه (١) فكانت نفسه مهذبة، و أخلاقه مستعذبة، و سيرته عادلة و خلاله فاضلة، و مباره إلى العفاة واصلة، و رباع العرف بوجوده و جودة أهله جرى من الوقار و السكينة و السكون و الطمأنينة، و العفة و النزاهة و الخمول في النباهة، و الشفقة و الرأفة، و الحزم و الحصافة، و الحنو على الأقارب و الأباعد، و الحدب على الولي و الحاسد، على وتيرة نبوية و شنشنة علوية و نفس قدسيّة، لا يقاربها أحد من الأنام و لا يدانيها، و طريقة لا يشاركه فيها خلق و لا يطمع فيها.
إنّ السرى إذا سرى بنفسه * * * و ابن السرى إذا سرىأسراهما
إذا قال بذّ الفصحاء، و حيّر البلغاء، و أسكت العلماء، إن جاد بخل الغيث، و إن صال جبن الليث، و إن فخر أذعن كلّ مساجل، و سلّم إليه كلّ مناضل، و أقرّ لشرفه كلّ شريف، و إن طاول الأفلاك و نافر الأملاك، و اعترف أنّه ليس هناك، و إن ذكرت العلوم فهو (عليه السلام) موضح أشكالها و فارس جلادها و جدالها و ابن نجدتها و صاحب أقوالها، و اطلاع نجادها، و ناصب أعلام أعقالها.
هذه صفاته التي تتعلّق بذاته، و علاماته الدالة على معجز آياته، فإن أتى الناس بآبائهم أتى بقوم أخبر بشرفهم هل أتى، و دلّت على مناصبهم آية المباهلة، و إن عتا عن قبولها من عتا، و نطق القرآن الكريم بفضلهم، و نبّه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) على نبلهم، و لم يسأل على التبليغ أجرا إلّا ودّهم، و بالغ في العهد بأحسنوا خلافتي في أهلي، فما حفظوا عهده و لا عهدهم، فهم (عليهم السلام) أمناء اللّه و خيرته، و خلفاؤه على بريّته و صفوته، المشار إليهم بآداب القرآن المجيد، المخاطبون ب إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ الذين هم على أولياء اللّه أرقّ من الماء، و على أعدائه أقسى من الحديد، و أجواد و السحاب باخل، أيقاظ في اللقاء و الليث ذاهل، قلوبهم حاضرة، و وجوههم ناضرة، و ألسنتهم ذاكرة، و إذا كان لغيرهم دنيا فلهم دنيا و آخرة، صلّى اللّه عليهم صلاة يقتضيها كرم اللّه، و استحقاقهم الكامل، و هذان سببان يوجبان الحصول
(١) جمع القلوص: الشابة من الإبل.