كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٥٥
فيه طيب، و قد احتفظت بها و قلّ ما أصبحت إلّا و فتحت السفط و نظرت إليها تبرّكا بها و قبّلتها و رددتها إلى موضعها، و كلّما أمسيت صنعت مثل ذلك، فقال: أحضرها الساعة. قال: نعم يا أمير المؤمنين، فاستدعى بعض خدمه فقال له: امض إلى البيت الفلاني من داري، فخذ مفتاحه من جاريتي و افتحه و افتح الصندوق الفلاني فجئني بالسفط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوما فوضع بين يدي الرشيد فأمر بكسر ختمه و فتحه، فلمّا فتح نظر إلى الدراعة فيه بحالها مطوية مدفونة في الطيب، فسكن الرشيد من غضبه ثمّ قال لعلي بن يقطين: أرددها إلى مكانها و انصرف راشدا، فلن نصدّق عليك بعدها ساعيا، و أمر أن يتبع بجائزة سنيّة، و تقدّم (١) بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحو خمسمائة سوط فمات في ذلك.
و روي عن محمّد بن الفضل قال: اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء هو من الأصابع إلى الكعبين أم من الكعبين إلى الأصابع؟ فكتب ابن يقطين إلى أبي الحسن موسى (عليه السلام): جعلت فداك إنّ أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فإن رأيت أن تكتب بخطّك بما يكون عملي فيه فعلت إن شاء اللّه، فكتب إليه أبو الحسن (عليه السلام): فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، و الذي آمرك به في ذلك أن تمضمض ثلاثا، و تستنشق ثلاثا، و تغسل وجهك ثلاثا، و تخلل شعر لحيتك، و تغسل يديك إلى المرفقين ثلاثا، و تمسح رأسك كلّه و تمسح ظاهر أذنيك و باطنهما، و تغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، و لا تخالف ذلك إلى غيره، فلمّا وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجّب ممّا رسم له فيه ممّا جميع العصابة على خلافه، ثمّ قال: مولاي أعلم بما قال و أنا ممتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذا الحد و يخالف ما عليه جميع الشيعة امتثالا لأمر أبي الحسن (عليه السلام).
و سعي بعلي بن يقطين و قيل إنّه رافضي مخالف لك، فقال الرشيد لبعض خاصّته: قد كثر عندي القول في علي بن يقطين و القرف له (٢) بخلافنا و ميله إلى الروافض، و لست أرى في خدمته لي تقصيرا، و قد امتحنته مرارا فما ظهرت منه على ما يقرف به، و أحبّ أن أستبرئ أمره من حيث لا يشعر بذلك، فيحترز منّي، فقيل له:
(١) أي أمر.
(٢) القرف- محركة-: التهمة.