كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٢٣
و قال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السرّ حتّى مات علي بن الحسين (عليه السلام).
(و قال سفيان: أراد علي بن الحسين الخروج إلى الحج فاتّخذت له سكينة بنت الحسين أخته زادا أنفقت عليه ألف درهم، فلمّا كان بظهر الحرّة (١) سيّرت ذلك إليه، فلم يزل يفرّقه على المساكين.
و قال سعيد بن مرجانة: كنت يوما عند علي بن الحسين فقلت: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللّه تعالى بكلّ إرب منها إربا منه من النار، حتّى أنّه ليعتق باليد اليد، و بالرجل الرجل و بالفرج الفرج. فقال علي (عليه السلام): أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ فقال سعيد: نعم، فقال لغلام له: أفره غلمانه- و كان عبد اللّه بن جعفر قد أعطاه بهذا الغلام ألف دينار فلم يبعه- أنت حرّ لوجه اللّه تعالى.
و قدم عليه نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر و عمر و عثمان رضي اللّه عنهم، فلمّا فرغوا من كلامهم قال لهم: أ لا تخبروني أنتم المهاجرون الأوّلون الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ؟ قالوا: لا، قال: فأنتم وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ؟ قالوا: لا، قال: أمّا أنتم فقد تبرّ أتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين و أنا أشهد أنّكم لستم من الذين قال اللّه فيهم: وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا أخرجوا عنّي فعل اللّه بكم! و قال نافع بن جبير يوما لعلي بن الحسين (عليهما السلام): أنت سيّد الناس و أفضلهم فتذهب إلى هذا العبد فتجلس عنده- يعني زيد بن أسلم (٢)- فقال له: ينبغي للعلم أن يتبع حيث ما كان.
(١) الحرة: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنّها أحرقت بالنار و جمعها أحرار. قال الحموي: و الحرار في بلاد العرب كثيرة أكثرها حوالي المدينة إلى الشام.
(٢) هو زيد بن أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب المتوفى سنة ١٣٦. و روى العسقلاني في التهذيب هذا الحديث عن البخاري بلفظ آخر و اختلاف يسير بينهما فراجع ج ٣ ص ٣٩٦.