كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٢٨
دمه، فسألت الحاجب: من يعني؟ قال: جعفر بن محمّد، فإذا هو قد أتى به مع عدّة جلاوزة (١)، فلمّا انتهى إلى الباب قبل أن يرفع الستر رأيته قد تململت (٢) شفتاه عند رفع الستر، فدخل، فلمّا نظر إليه المنصور قال: مرحبا يا بن عم، مرحبا يا بن رسول اللّه، فما زال يرفعه حتّى أجلسه على وسادته، ثمّ دعا بالطعام، فرفعت رأسي و أقبلت أنظر إليه و هو يلقمه جدبا باردا و قضى حوائجه، و أمره بالانصراف.
فلمّا خرج قلت له: قد عرفت موالاتي لك و ما قد ابتليت به في دخولي عليهم و قد سمعت كلام الرجل و ما كان يقول، فلمّا صرت إلى الباب رأيتك قد تململت شفتاك و ما أشك أنّه شيء قلته و رايت ما صنع بك فإن رأيت أن تعلّمني ذلك فأقوله إذا دخلت عليه؟ قال: نعم، قلت: ما شاء اللّه ما شاء اللّه لا يأتي بالخير إلّا اللّه، ما شاء اللّه ما شاء اللّه لا يصرف السوء إلّا اللّه، ما شاء اللّه ما شاء اللّه كلّ نعمة فمن اللّه، ما شاء اللّه ما شاء اللّه لا حول و لا قوّة إلّا باللّه.
و عن المفضّل بن عمر قال: كنّا جماعة على باب أبي عبد اللّه (عليه السلام) فتكلّمنا في الربوبيّة، فخرج إلينا أبو عبد اللّه بلا حذاء و لا رداء و هو ينتفض و هو يقول: لا يا خالد لا يا مفضّل لا يا سليمان لا يا نجم، بل عبيد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون، فقلت: لا و اللّه لا قلت فيك بعد اليوم إلّا ما قلت في نفسك.
و عن صفوان الجمّال قال: كنت عند أبي عبد اللّه بالحيرة إذ أقبل الربيع فقال:
أجب أمير المؤمنين، فلم يلبث أن عاد، قلت: دعاك فأسرعت الانصراف، فقال: إنّه سألني عن شيء فألق الربيع فاسأله عنه كيف صار الأمر الذي سألني عنه؟ قال صفوان:
و كان بيني و بين الربيع لطيف، فخرجت فأتيت الربيع فسألته عمّا دعا المنصور أبا عبد اللّه لأجله، فقال الربيع: أخبرك بالعجب، إنّ الأعراب خرجوا يجتنون الكماة، فأصابوا في البدو خلقا ملقى فأتوني به، فأدخلته على المنصور لأعجبه منه فوضعته بين يديه، فلمّا رآه قال: نحه و ادع لي جعفر بن محمّد، فدعوته فقال: يا أبا عبد اللّه أخبرني عن الهواء ما فيه؟ فقال: في الهواء موج مكفوف، فقال: فيه سكّان؟ قال: نعم،
(١) جلاوزة جمع الجلواز: الشرطي.
(٢) أي تحرّكت.