كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٠٠٨
الفصل الثالث من القسم الأوّل: في ذكر جمل من الدلائل على إمامة أئمّتنا (عليهم السلام) سوى ما ذكرناه فيما تقدّم من الكتاب:
أحد الدلائل على إمامتهم (عليهم السلام) ما ظهر عنهم من العلوم التي تفرّقت في فرق العالم، فحصل في كلّ فرقة منهم فن و اجتمعت فنونها و سائر أنواعها في آل محمّد (عليهم السلام)، أ لا ترى إلى ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أبواب التوحيد و الكلام الباهر المفيد من الخطب و علوم الدين، و أحكام الشريعة و تفسير القرآن و غير ذلك ما زاد على جميع كلام الخطباء و العلماء و الفصحاء و الحكماء و البلغاء، حتّى أخذ عنه المتكلّمون و الفقهاء و المفسّرون، و نقل عنه أهل العربية أصول الإعراب و معاني اللغات، و قال في الطب ما استفاد منه الأطبّاء، و في الحكم و الوصايا و الآداب ما أربى على جميع كلام الحكماء، و في النجوم و علم الآثار ما استفاده من جهته جميع أهل الملل و الآراء، ثمّ قد نقلت الطوائف عمّن ذكرناه من عترته و أبنائه (عليهم السلام) مثل ذلك من العلوم في جميع الأنحاء و لم يختلف في فضله و علوّ درجتهم في ذلك من أهل العلم اثنان، فقد ظهر عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) من الفتاوي في الحلال و الحرام و المسائل و الأحكام، و روى الناس عنهما من علوم الكلام و تفسير القرآن و قصص الأنبياء و المغازي و السير و أخبار العرب و ملوك الامم ما سمّي أبو جعفر (عليه السلام) لأجله باقر العلم.
و روى عن الصادق (عليه السلام) من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان و صنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة بكتب الاصول رواها أصحابه و أصحاب أبيه و أصحاب ابنه موسى (عليه السلام) و لم يبق فن من فنون العلم إلّا روي عنه (عليه السلام) فيه أبواب، و كذلك كانت حالة ابنه موسى من بعده في إظهار العلوم حتّى حبسه الرشيد، و منعه من ذلك، و قد انتشر للرضا (عليه السلام) و ابنه أبي جعفر من ذلك ما شهرة جملته تغني عن تفصيله، و كذلك كانت سبيل أبي الحسن و أبي محمّد العسكريين (عليهما السلام) و إنّما كانت الرواية عنهما أقل لأنّهما كانا محبوسين في عسكر السلطان، ممنوعين من الانبساط في الفتيا، و إن يلقاهما كلّ أحد من الناس.
و إذا ثبت بما ذكرناه بينونة أئمّتنا (عليهم السلام) بما وصفناه عن جميع الأنام و لم يكن أحد أن يدّعي أنّهم أخذوا العلم عن رجال العامّة، أو يلقنوه من رواتهم و فقهائهم، لأنّهم لم يروا قط مختلفين إلى أحد من العلماء في تعلّم شيء من العلوم، و لأنّ ما نقل عنهم من العلوم فإنّ أكثره لا يعرف إلّا منهم و لم يظهر إلّا عنهم، فعلمنا أنّ هذه العلوم بأسرها قد