كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٤٠
المنون، و ألحقتهم بتجافيف التراب، فأضحوا في فجوات قبورهم يتقلّبون، و في بطون الهلكات عظاما و رفاتا و صلصالا في الأرض هامدون.
و آليت لا تبقى الليالي بشاشة * * * و لا جدة إلّا سريعا خلوقها
و في مطالع أهل البرزخ و خمود تلك الرقدة و طول تلك الإقامة طفيت مصابيح النظر، و اضمحلّت غوامض الفكر، و ذمّ الغفول أهل العقول، و كم بقيت متلذّذا في طوامس هوامد تلك الغرفات (١)، فنوّهت بأسماء الملوك و هتفت بالجبّارين و دعوت الأطباء و الحكماء، و ناديت معادن الرسالة و الأنبياء أتململ تململ السليم و أبكي بكاء الحزين و أنادي و لات حين مناص.
سوى أنّهم كانوا فبانوا و أنّني * * * على جدد قصد سريعا لحوقها
و تذكّرت مراتب الفهم و غضاضة فطن العقول بتذكّر قلب جريح فصدعت الدنيا عمّا التذّ بنواظر فكرها من سوء الغفلة، و من عجب كيف يسكن إليها من يعرفها و قد استذهلت عقله بسكونها، و تزيّن المعاذير و خسأت أبصارهم عن عيب التدبير و كلّ ما تراه الآيات و نشرها من طي الدهر عن القرون الخالية الماضية و حالهم و ما بهم و كيف كانوا و ما الدنيا و غرور الأيّام.
و هل هي إلّا لوعة من ورائها * * * جوى قاتل أو حتف نفس يسوقها (٢)
و قد أغرق في ذم الدنيا الأدلّاء على طرق النجاة من كلّ عالم، فبكت العيون شجن القلوب فيها دما ثمّ درست تلك المعالم فتنكّرت الآثار و جعلت في برهة من محن الدنيا، و تفرّقت ورثة الحكمة و بقيت فردا كقرن الأعضب وحيدا (٣)، أقول فلا أجد سميعا، و أتوجّع فلا أجد مشتكى.
و إن أبكهم أحرض و كيف تجلّدي * * * و في القلب منّي لوعة لا أطيقها (٤)
و حتّى متى أتذكّر حلاوة مذاق الدنيا و عذوبة مشارب أيّامها، و أقتفي آثار
(١) طمس الشيء: درس و انمحى. و الهوامد جمع الهامد: البالي المسود المتغير.
(٢) الجوى: الحرقة و شدة الحزن. تطاول المرض.
(٣) الأعضب: الظبى الذي انكسر أحد قرنيه.
(٤) أحرض أي أهلك. و في هذه الموعظة مواضع قد أعلمت عليها تحتاج إلى نسخة صحيحة يصحح منها (منه رحمه اللّه).