كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩١٤
بنفسه، و أنا متعجّب ممّا أرى منه إذ دخل الحاجب فقال: الموفق قد جاء، و كان الموفق إذا دخل على أبي يقدّمه حجّابه و خاصّة قوّاده، فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدار سماطين (١) إلى أن يدخل و يخرج، فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمّد يحدّثه حتّى نظر إلى غلمانه الخاصّة فقال: حينئذ إذا شئت جعلني اللّه فداك، ثمّ قال لحجّابه: خذوا به من خلف السماطين لا يراه هذا- يعني الموفق- فقام و قام أبي و عانقه و مضى.
فقلت لحجّاب أبي و غلمانه: ويلكم من هذا الذي كنّيتموه بحضرة أبي و فعل به هذا الفعل؟ فقال: هذا علوي يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا، فازددت تعجّبا و لم أزل يومي ذلك قلقا متفكّرا في أمره و أمر أبي و ما رأيته منه حتّى كان الليل، و كانت عادته أن يصلّي العتمة ثمّ يجلس فينظر ما يحتاج إليه من المؤامرات و ما يرفعه إلى السلطان.
فلمّا صلّى و جلس جئت فجلست بين يديه و ليس عنده أحد، فقال: يا أحمد أ لك حاجة؟ قلت: نعم يا أبة فإن أذنت سألتك عنها، قال: قد أذنت، قلت: يا أبة من الرجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال و الكرامة و التبجيل، و فديته بنفسك و أبويك؟ فقال: يا بني إمام الرافضة الحسن بن علي المعروف بابن الرضا، ثمّ سكت ساعة و أنا ساكت ثمّ قال: يا بني لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره لفضله و عفافه و هديه و صيانته و زهده و عبادته و جميل أخلاقه و صلاحه، و لو رأيت أباه رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا.
فازددت قلقا و غيظا و تفكّرا على أبي و ما سمعت منه فيه و رأيته من فعله، فلم تكن لي همّة بعد ذلك إلّا السؤال عن خبره و البحث عن أمره، فما سألت أحدا من بني هاشم و القوّاد و الكتّاب و القضاة و الفقهاء و سائر الناس إلّا وجدته عنده في غاية الإجلال و الإعظام و المحلّ الرفيع و القول الجميل و التقديم له على جميع أهل بيته و مشايخه، فعظم قدره عندي إذ لم أر له وليّا و لا عدوّا إلّا و هو يحسن القول فيه و الثناء عليه.
فقال له بعض من حضر مجلسه من الأشعريين: فما خبر أخيه جعفر و كيف كان في المحل؟ فقال: و من جعفر فيسأل عن خبره أو يقرن إلى الحسن، جعفر معلن
(١) أي صفّين.