كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٩٢
و الأمر في ذلك إليك، و قد تقدمنا إليك بطاعتك فاستخر اللّه تعالى حتّى توافى أمير المؤمنين، فما أحد من إخوته و ولده و أهل بيته و خاصّته ألطف منزلة، و لا أحمد له أثرة، و لا هو لهم أنظر و عليهم أشفق و بهم أبرّ و إليهم أسكن منه إليك (و الأمر ذلك إليك) و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته، و كتب إبراهيم بن العباس في شهر كذا من سنة ثلاث و أربعين و مائتين.
فلمّا وصل الكتاب إلى أبي الحسن (عليه السلام) تجهّز للرحيل، و خرج معه يحيى بن هرثمة، حتّى وصل إلى سرّ من رأى، فلمّا وصل إليها تقدم المتوكل أن يحجب عنه في يومه فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك (١) و أقام فيه بقيّة يومه، ثمّ تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل إليها.
و عن صالح بن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) يوم وروده، فقلت له:
جعلت فداك في كلّ الامور أرادوا إطفاء نورك و التقصير بك، حتّى أنزلوك هذا الخان الأشنع: خان الصعاليك، فقال: هاهنا أنت يا بن سعيد؟ ثمّ أومأ بيده فإذا بروضات أنيقات (٢) و أنهار جاريات، و جنّات فيها خيرات عطرات، و ولدان كأنّهنّ اللؤلؤ المكنون، فحار بصري و كثر عجبي، فقال لي: حيث كنّا فهذا لنا، يا بن سعيد لسنا في خان الصعاليك (٣).
[وفاته و موضع قبره ع]
و أقام أبو الحسن (عليه السلام) مدّة مقامه بسرّمنرأى مكرما في ظاهر الحال يجتهد المتوكّل في إيقاع حيلة به فلا يتمكّن من ذلك، و له معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب: فيها آيات له و بيّنات إن قصدنا لإيرادها خرجنا عن الغرض فيما نحوناه، و توفّي أبو الحسن في رجب سنة أربع و خمسين و مائتين، و دفن في داره بسرّمنرأى، و خلّف من الولد أبا محمّد الحسن ابنه و هو الإمام من بعده، و الحسين و محمّد، أو جعفر، و ابنته عائشة، و كان مقامه بسرّمنرأى إلى أن قبض عشر سنين و أشهرا، و توفي و سنّه يومئذ على ما قدّمناه إحدى و أربعون سنة.
قال الشيخ ابن الخشاب رحمه اللّه تعالى: ذكر أبي الحسن العسكري علي بن
(١) الصعاليك جمع الصعلوك: الفقير.
(٢) جمع الأنيق: الحسن المعجب.
(٣) و للمحدّث العلّامة المولى محمّد باقر المجلسي رحمه اللّه في هذا الخبر بيان طويل في وجه إراءته (عليه السلام) إيّاه هذه المنازل و كيفيّته في وجوه أربعة فراجع البحار ج ١٢ ص ١٣٠ فإنّه لا يخلو عن فائدة.