كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٠٣٤
الحق من اعتقاد إمامته و القول بصحّتها على حال من الأحوال فأمره اللّه تعالى بالاستتار ليكون المقام على الإقرار بإمامته مع الشبهة في ذلك و شدّة المشقّة أعظم ثوابا من المقام على الإقرار بإمامته، و المشاهدة له فكانت غيبته عن أوليائه لهذا الوجه و لم تكن للتقيّة منهم.
و رابعها: و هو الذي عوّل عليه المرتضى قدّس اللّه روحه قال: نحن أوّلا لا نقطع على أنّه لا يظهر لجميع أوليائه، فإنّ هذا أمر مغيّب عنّا و لا يعرف كلّ منّا إلّا حال نفسه، فإذا جوّزنا ظهوره لهم كما جوّزنا غيبته عنهم فنقول: العلّة في غيبته عنهم أنّ الإمام عند ظهوره من الغيبة إنّما يميز شخصه و تعرف عينه بالمعجز الذي يظهر على يديه، لأنّ النصوص الدالة على إمامته لا تميز شخصه من غيره، كما ميّزت أشخاص آبائه، و المعجز إنّما يعلم دلالته بضرب من الاستدلال، و الشبه تدخل في ذلك فلا يمتنع أن يكون كلّ من لم يظهر له من أوليائه، فإنّ المعلوم من حاله أنّه متى ظهر له قصر (١).
على أنّ أولياء الإمام و شيعته منتفعون به في حال غيبته، لأنّهم مع علمهم بوجوده بينهم و قطعهم بوجوب طاعته عليهم، لا بدّ أن يخافوه في ارتكاب القبيح، و يرهبوا من تأديبه و انتقامه و مؤاخذته، فيكثر منهم فعل الواجب، و يقلّ ارتكاب القبيح، أو يكونوا إلى ذلك أقرب فيحصل لهم اللطف به مع غيبته، بل ربّما كانت الغيبة في هذا الباب أقوى، لأنّ المكلّف إذا لم يعرف مكانه و لم يقف على موضعه جوّز فيمن لا يعرفه أنّ الإمام يكون إلى فعل الواجب أقرب منه إلى ذلك لو عرفه، لو لم يجوّز فيه كونه إماما.
فإن قالوا: إنّه هذا تصريح منكم بأنّ ظهور الإمام كاستتاره في الانتفاع به و الخوف منه.
فالقول: إنّ ظهوره لا يجوز أن يكون في المنافع كاستتاره، و كيف يكون ذلك و في ظهوره و قوّة سلطانه انتفاع الولي و العدو، و المحب و المبغض، و لا ينتفع به في حال غيبته إلّا وليّه دون عدوّه، و أيضا فإنّ في انبساط يده منافع كثيرة لأوليائه و غيرهم، و لأنّه يحمي حوزتهم و يسدّ ثغورهم، و يؤمّن طرقهم فيتمكّنون من التجارات
(١) كذا بياض في نسخ كشف الغمة لكن في المصدر بعد قوله «قصر» هكذا: «في النظر في معجزه و لحق لهذا التقصير بمن يخاف عنه عن الأعداء».