كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٣٨
و عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) إذا تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١) يقول: اللهمّ ارفعني في أعلى درجات هذه الندبة، و أعنّي بعزم الإرادة، و هبني حسن المستعقب من نفسي، و خذني منها حتّى تتجرّد خواطر الدنيا عن قلبي من برد خشيتي منك، و ارزقني قلبا و لسانا يتجاريان في ذم الدنيا و حسن التجافي منها حتّى لا أقول إلّا صدقت، و أرني مصاديق إجابتك بحسن توفيقك حتّى أكون في كلّ حال حيث أردت.
فقد قرعت بي باب فضلك فاقة * * * بحدّ سنان نال قلبي فتوقها
و حتّى متى أصف محن الدنيا و مقام الصدّيقين، و أنتحل عزما من إرادة مقيم بمدرجة الخطايا، أشتكي ذلّ ملكة الدنيا و سوء أحكامها عليّ فقد رأيت و سمعت لو كنت أسمع في أداة فهم أو أنظر بنور يقظة.
و كلا ألاقي نكبة و فجيعة * * * و كأس مرادات ذعافا أذوقها (٢)
و حتّى متى أتعلّل بالأماني و أسكن إلى الغرور و أعبد نفسي للدنيا على غضاضة سوء الاعتداد من ملكاتها، و أنا أعرض لنكبات الدهر عليّ أتربّص اشتمال البقاء و قوارع الموت تختلف حكمي في نفسي و يعتدل حكم الدنيا.
و هنّ المنايا أيّ واد سلكته * * * عليها طريقي أو عليّ طريقها
و حتّى متى تعدني الدنيا فتخلف و ائتمنها فتخون، لا تحدث جدة إلّا بخلوق جدة (٣)، و لا تجمع شملا إلّا بتفريق شمل حتّى كأنّها غيرى (٤) محجبة ضنا تغار على الالفة و تحسد أهل النعم.
فقد آذنتني بانقطاع و فرقة * * * و أومض لي من كلّ أفق بروقها (٥)
و من أقطع عذرا من مغذ سيرا يسكن إلى معرس غفلة بأدواء نبوة الدنيا (٦)
(١) التوبة: ١١٩.
(٢) الذعاف- كغراب-: السم.
(٣) و في رواية ابن شهرآشوب في المناقب «لا تحدث جديدة إلّا تخلق مثلها».
(٤) «غيرى» فعلى من الغيرة.
(٥) أومض البرق: لمع خفيفا و ظهر.
(٦) أغذ في السير: أسرع. و عرس القوم: نزلوا في السفر و الموضع «معرس». و النبوة: ما ارتفع من الأرض يقال هو يشكو نبوة الزمان و جفوته.