كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٥٩
قالوا: و لمّا دخل الرشيد المدينة توجّه إلى زيارة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و معه الناس، فتقدّم إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا بن عم- مفتخرا بذلك على غيره- فتقدم موسى (عليه السلام) إلى القبر و قال: السلام عليك يا رسول اللّه، السلام عليك يا أبه، فتغيّر وجه الرشيد و تبيّن الغيظ فيه.
و أخبر عبد الحميد قال: سأل محمّد بن الحسن أبا الحسن موسى (عليه السلام) بمحضر من الرشيد و هم بمكة فقال: أ يجوز للمحرم أن يظلل على محمله نفسه (١)؟ فقال له موسى: لا يجوز له ذلك مع الاختيار، فقال له محمّد بن الحسن: أ فيجوز له أن يمشي تحت الظلال مختارا؟ فقال له: نعم، فتضاحك له محمّد بن الحسن من ذلك فقال له أبو الحسن موسى (عليه السلام): أتعجب من سنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تستهزئ بها، إنّ رسول اللّه كشف ظلاله في إحرامه و مشى تحت الظلال و هو محرم، إنّ أحكام اللّه يا محمّد لا تقاس، فمن قاس بعضها ببعض فقد ضلّ عن السبيل، فسكت محمّد بن الحسن لا يرجع جوابا.
و قد روى الناس عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) فأكثروا و كان أفقه أهل زمانه كما قدّمناه و أحفظهم لكتاب اللّه عزّ و جلّ، و أحسنهم صوتا بالقرآن و كان إذا قرأ يحزن و يبكي، و يبكي السامعين، و كان الناس بالمدينة يسمّونه زين المجتهدين، و سمّي بالكاظم لمّا كظمه من الغيظ، و صبر عليه من فعل الظالمين به حتّى مضى قتيلا في حبسهم و وثاقهم (عليه السلام).
باب ذكر السبب في وفاته و طرف من الخبر في ذلك
و كان السبب في قبض الرشيد على أبي الحسن (عليه السلام) و حبسه و قتله ما ذكره أحمد ابن عبيد اللّه بن عمّار عن علي بن محمّد النوفلي عن أبيه، و أحمد بن محمّد بن سعيد و أبو محمّد الحسن بن محمّد بن يحيى عن مشايخهم قالوا: كان السبب في أخذ موسى ابن جعفر (عليهما السلام) أنّ الرشيد جعل ابنه في حجر جعفر بن محمّد بن الأشعث فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك، و قال: إن أفضت إليه الخلافة زالت دولتي و دولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمّد و كان يقول بالإمامة حتّى داخله و آنس به، و كان
(١) و في بعض النسخ «على نفسه».