كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩٤٥
محمّد (عليه السلام) تعيّن إثبات كونه المهدي المشار إليه من غير جنوح إلى الاحتمال بتجدّد غيره في الاستقبال.
فإذا قال المعترض: نسلّم لكم أنّ الصفات المجعولة علامة، و دلالة إذا وجدت تعيّن العمل بها و لزم إثبات مدلولها لمن وجدت فيه، لكن نمنع وجود تلك العلامة و الدلالة في الخلف الصالح محمّد (عليه السلام)، فإنّ من جملة الصفات المجعولة علامة و دلالة أن يكون اسم أبيه مواطئا لاسم أبي النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هكذا صرّح به الحديث النبوي على ما أوردتموه و هذه الصفة لم توجد فيه فإنّ اسم أبيه الحسن و اسم أب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عبد اللّه و أين الحسن من عبد اللّه، فلم توجد هذه الصفة التي هي جزء من العلامة و الدلالة فإذا لم يثبت جزء العلّة فلا يثبت حكمها إذ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يجعل تلك الأحكام ثابتة إلّا لمن اجتمعت تلك الصفات كلّها له، التي جزؤها مواطاة اسمي الأبوين في حقّه، و هذه لم تجتمع في الحجّة الخلف الصالح فلا تثبت تلك الأحكام له و هذا إشكال قوي.
فالجواب: لا بدّ قبل الشروع في تفصيل الجواب من بيان أمرين يبنى عليهما الغرض:
فالأوّل: أنّه سائغ شائع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجد الأعلى و قد نطق القرآن الكريم بذلك فقال اللّه: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ (١) و قال تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام): وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ (٢) و نطق بذلك النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و حكاه عن جبرئيل (عليه السلام) في حديث الإسراء أنّه قال: قلت: من هذا؟ قال: أبوك إبراهيم، فعلم أنّ لفظة أب تطلق على الجد و إن علا، فهذا أحد الأمرين.
الأمر الثاني: إنّ لفظة الاسم تطلق على الكنية و على الصفة، و قد استعملها الفصحاء و دارت بها ألسنتهم و وردت في الأحاديث حتّى ذكرها الإمامان البخاري و مسلم رضي اللّه عنهما، كلّ واحد منهما يرفع ذلك بسنده إلى سهل بن سعد الساعدي رضي اللّه عنه أنّه قال عن علي (عليه السلام): و اللّه إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) سمّاه بأبي تراب و لم يكن له اسم أحب إليه منه، فأطلق لفظة الاسم على الكنية، و مثل ذلك قول الشاعر (٣):
(١) الحج: ٧٨.
(٢) يوسف: ٣٨.
(٣) و في نسخة زاد بعد قول الشاعر: «هو المتنبّي».