كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩٤٤
بذلك حتّى قدم وفد من اليمن، فسألهم فأخبر بشخص متّصف بذلك، فلم يتوقّف عمر رضي اللّه عنه في العمل بتلك العلامة و الدلالة التي ذكرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل بادر إلى العمل بها و اجتمع به و سأله الاستغفار و جزم بأنّه المشار إليه بالحديث النبوي لما علم تلك الصفات فيه مع وجود احتمال أن يتجدّد وفود اليمن مستقبلا من يكون بتلك الصفات، فإنّ قبيلة مراد كثيرة و التولد فيها كثير، و عين ما ذكرتموه من الاحتمال موجود.
و كذلك قضية الخوارج الذين وصفهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بصفات و رتب عليها حكمهم ثمّ بعد ذلك لمّا وجد علي (عليه السلام) تلك الصفات موجودة في أولئك في واقعة حرورى و النهروان جزم بأنّهم هم المرادون بالحديث النبوي، و قاتلهم و قتلهم، فعمل بالدلالة عند وجود الصفة مع احتمال أن يكون المرادون غيرهم، و أمثال هذه الدلالة و العمل بها مع قيام الاحتمال كثيرة، فعلم أنّ الدلالة الراجحة لا تترك لاحتمال المرجوح نزيده بيانا و تقريبا.
فنقول بثبوت الحكم عند وجود العلامة و الدلالة لمن وجدت فيه أمر يتعيّن العمل به و المصير إليه، فمن تركه و قال بأنّ صاحب الصفات المراد بإثبات الحكم ليس هو هذا، بل شخص غيره، سيأتي و قد عدل عن النهج القويم و وقف نفسه موقف اللئيم، و يدلّ على ذلك أنّ اللّه عزّ و علا لمّا أنزل في التوراة على موسى صلوات اللّه عليه أنّه يبعث النبي العربي في آخر الزمان خاتم الأنبياء و نعته بأوصافه جعلها علامة و دلالة على إثبات حكم النبوة و صار قوم موسى صلوات اللّه عليه يذكرونه بصفاته، و يعلمون أنّه يبعث، فلمّا قرب زمان ظهوره و بعثه صاروا يهدّدون المشركين به، و يقولون سيظهر الآن نبي نعته كذا و صفته كذا، نستعين به على قتالكم، فلمّا بعث (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وجدوا العلامات و الصفات بأسرها التي جعلت دلالة على نبوّته أنكروه، و قالوا: ليس هو هذا بل هو غيره و سيأتي، فلمّا جنحوا إلى الاحتمال و أعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال أنكر اللّه تعالى عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في التوراة، و جنحوا إلى الاحتمال.
و هذه القصة من أكبر الأدلّة و أقوى الحجج على أنّه يتعيّن العمل بالدلالة عند وجودها، و إثبات الحكم لمن وجدت تلك الدلالة فيه، فإذا كانت الصفات التي هي علامة و دلالة لثبوت تلك الأحكام المذكورة موجودة في الحجة الخلف الصالح