كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧١٦
الرئاستين فقال له: ائت محمّد بن جعفر اعتذر إليه، و حكّمه في غلمانك، قال: فخرج ذو الرئاستين إلى محمّد بن جعفر. قال موسى بن سلمة: فكنت عند محمّد بن جعفر جالسا حين أتى، فقيل له: هذا ذو الرئاستين، فقال: لا يجلس إلّا على الأرض، و تناول بساطا كان على الأرض فرمى به هو و من معه ناحية، و لم يبق في البيت إلّا و سادة جلس عليها محمّد بن جعفر، فلمّا دخل عليه ذو الرئاستين وسّع له محمّد على الوسادة فأبى أن يجلس عليها و جلس على الأرض، فاعتذر إليه و حكّمه في غلمانه.
و توفي محمّد بن جعفر بخراسان مع المأمون، فركب المأمون ليشهده فلقيهم و قد خرجوا به، فلمّا نظر إلى السرير ترجّل و مشى حتّى دخل بين العمودين، و لم يزل بينهما حتّى وضع، فتقدّم فصلّى عليه ثمّ حمله حتّى بلغ به إلى القبر، ثمّ دخل قبره فلم يزل فيه حتّى بنى عليه، ثمّ خرج فقام على القبر حتّى دفن، فقال له عبد اللّه بن الحسين و دعا له: يا أمير المؤمنين إنّك قد تعبت فلو ركبت؟ فقال له المأمون: إنّ هذه رحم قد قطعت من مائتي سنة.
و روي عن إسماعيل بن محمّد بن جعفر أنّه قال: قلت لأخي و هو إلى جنبي و المأمون قائم على القبر: لو كلّمناه في دين الشيخ فلا نجده أقرب منه في وقته هذا، فابتدأنا المأمون فقال: كم ترك أبو جعفر من الدين؟ فقلت: خمسة و عشرين ألف دينار، فقال: قد قضى اللّه عنه دينه، إلى من أوصى؟ قلنا: إلى ابن له يقال له يحيى بالمدينة، فقال: ليس هو بالمدينة هو بمصر، و قد علمنا بكونه فيها، و لكن كرهنا أن نعلمه بخروجه من المدينة، لئلّا يسوؤه ذلك لعلمهم بكراهتنا لخروجهم عنّا.
و كان علي بن جعفر رضي اللّه عنه راوية (١) للحديث سديد الطريق، شديد الورع، كثير الفضل، و لزم أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام)، و روى عنه شيئا كثيرا.
و كان العباس بن جعفر رحمه اللّه فاضلا نبيلا.
و كان موسى بن جعفر أجلّ ولد أبي عبد اللّه (عليه السلام) قدرا، و أعظمهم محلّا، و أبعدهم في الناس صيتا، و لم ير في الناس و في زمانه أسخى منه، و لا أكرم نفسا و عشرة و كان أعبد أهل زمانه و أورعهم و أفقههم و أعلمهم، و اجتمع جمهور شيعة أبيه على القول بإمامته و التعظيم لحقّه، و التسليم لأمره، و رووا عن أبيه الصادق (عليه السلام)
(١) التاء للمبالغة كما في علامة.