كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٤١
المريدين و أتنسّم أرواح الماضين (١) مع سبقهم إلى الغل و الفساد، و تخلّفي عنهم في فضالة طرق الدنيا منقطعا من الأخلّاء فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى، و خانني الصبر حتّى كأنّي أوّل ممتحن أتذكّر معارف الدنيا و فراق الأحبّة.
فلو رجعت تلك الليالي كعهدها * * * رأت أهلها في صورة لا تروقها
فمن أخصّ بمعاتبتي و من أرشد بندبتي و من أبكى و من أدع أشجوا بهلكة الأموات أم بسوء خلف الأحياء؟ و كلّ يبعث حزني و يستأثر بعبراتي، و من يسعدني فأبكى و قد سلبت القلوب لبّها ورقا الدمع، و حقّ للداء أن يذوب على طول مجانبة الأطبّاء، و كيف بهم و قد خالفوا الأمرين و سبقهم زمان الهادين، و وكلوا إلى أنفسهم يتنسّكون في الضلالات في دياجير الظلمات.
حيارى و ليل القوم داج نجومه * * * طوامس لا تجري بطيء خفوقها
قلت: هذا الفصل من كلامه (عليه السلام) قد نظمه بعض الشعراء و أجاد في قوله:
قد كنت أبكي على ما فات من زمني * * * و أهل ودّي جميع غير أشتات
و اليوم إذ فرقت بيني و بينهم * * * نوى بكيت على أهل المروّات
و ما حياة امرئ أضحت مدامعه * * * مقسومة بين أحياء و أموات
قال (عليه السلام): و قد انتحلت طوائف من هذه الامّة بعد مفارقتها أئمّة الدين و الشجرة النبويّة إخلاص الديانة، و أخذوا أنفسهم في مخايل الرهبانية، و تغالوا في العلوم و وصفوا الإسلام (٢) بأحسن صفاتهم، و تحلّوا بأحسن السنّة حتّى إذا طال عليهم الأمد و بعدت عليهم الشقّة و امتحنوا بمحن الصادقين رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى و علم النجاة يتفسّحون تحت أعباء الديانة تفسّح حاشية الإبل تحت أوراق البزّل (٣).
و لا تحرز السبق الرزايا و إن جرت * * * و لا يبلغ الغايات إلّا سبوقها
و ذهب آخرون إلى التقصير في أمرنا، و احتجّوا بمتشابه القرآن فتأوّلوه بآرائهم و اتّهموا مأثور الخبر ممّا استحسنوا، يقتحمون في أغمار الشبهات و دياجير الظلمات
(١) و في نسخة «الصالحين».
(٢) و في نسخة «الإيمان».
(٣) تفسح له في المجلس: توسع. و الأوراق جمع الورق: الحي من كلّ حيوان. المال من الإبل و غيرها.
و البزل جمع البازل: البعير الذي انشق نابه بدخوله في السنة التاسعة.