كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٦٦٩
به، و لا تقولوا فينا ما ليس فينا، إن يعذّبنا اللّه فبذنوبنا، و إن يرحمنا فبرحمته و فضله.
و كان زيد بن علي بن الحسين عين إخوته بعد أبي جعفر (عليه السلام) و أفضلهم، و كان عابدا و رعا فقيها سخيا شجاعا، فظهر بالسيف يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يطلب بثارات الحسين (عليه السلام).
عن أبي الجارود زياد بن المنذر قال: قدمت المدينة فجعلت كلّما سألت عن زيد بن علي قيل لي: ذاك حليف القرآن.
و روى هشام قال: سألت خالد بن صفوان عن زيد بن علي و كان يحدّثنا عنه فقلت: أين لقيته؟ فقال: بالرصافة (١)، فقلت: أيّ رجل كان؟ فقال: كان ما علمت يبكي من خشية اللّه حتّى تختلط دموعه بمخالطه.
و اعتقد كثير من الشيعة فيه الإمامة، و كان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمّد، فظنّوه يريد بذلك نفسه، و لم يكن يريدها به لمعرفته باستحقاق أخيه الإمامة من قبله، و وصيّته عند وفاته إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و كان سبب خروج أبي الحسين زيد بن علي رضي اللّه عنه بعد الذي ذكرناه من غرضه في الطلب بدم الحسين (عليه السلام)، أنّه دخل على هشام بن عبد الملك و قد جمع له هشام أهل الشام، و أمر أن يتضايقوا في المجلس حتّى لا يتمكّن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنّه ليس من عباد اللّه أحد فوق أن يوصى بتقوى اللّه، و لا من عباده أحد دون أن يوصى بتقوى اللّه، و أنا أوصيك بتقوى اللّه يا أمير المؤمنين فاتّقه، فقال له هشام: أنت المؤهّل نفسك للخلافة الراجي لها، و ما أنت و ما ذاك لا أم لك، و إنّما أنت ابن أمة، فقال له زيد: إنّي لا أعلم أحدا أعظم عند اللّه منزلة من نبي بعثه اللّه و هو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث، و هو إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام) فالنبوّة أعظم أم الخلافة يا هشام؟
و بعد فما يقصر برجل أبوه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو ابن علي بن أبي طالب أن يكون ابن أمة.
فوثب هشام عن مجلسه و دعا قهرمانه و قال: لا يبيتنّ هذا في عسكري، فخرج زيد و هو يقول: لم يكره قوم قط حرّ السيوف إلّا ذلّوا، فلمّا وصل الكوفة اجتمع إليها أهلها فلم يزالوا به حتّى بايعوه على الحرب، ثمّ نقضوا بيعته و أسلموه، فقتل رحمة اللّه عليه.
(١) الرصافة- بالضم-: اسم لمواضع كثيرة الكوفة و الشام و غيرهما.