كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧١١
يشتغل به مكان، و لا يكون من مكان أقرب من مكان، تشهد له بذلك آثاره، و تدلّ عليه أفعاله، و الذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) جاءنا بهذه العبادة فإن شككت في شيء من أمره فاسأل عنه أوضحه لك، قال: فأبلس ابن أبي العوجاء (١)، و لم يدر ما يقول، فانصرف من بين يديه فقال لأصحابه: سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة فألقيتموني على جمرة، فقالوا له: أسكت فو اللّه لقد فضحتنا بحيرتك و انقطاعك، و ما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه، فقال: ألي تقولون هذا؟ إنّه ابن من حلّق رءوس من ترون، و أومأ بيده إلى أهل الموسم.
و روى أنّ أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم على مجلس أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فقال له: إنّك لأحد النجوم الزواهر، و كان آباؤك بدور بواهر، و أمّهاتك عقيلات عباهر (٢)، و عنصرك من أكرم العناصر، و إذا ذكر العلماء فعليك تثنى الخناصر، فخبّرنا أيّها البحر الزاخر، ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك، ثمّ دعا ببيضة فوضعها في راحته، و قال: هذا حصن ملموم (٣)، داخله غرقئ رقيق (٤)، يطيف به كالفضّة السائلة، و الذهبة المائعة، أ تشك في ذلك؟
قال أبو شاكر: لا شك فيه، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ثمّ إنّه ينفلق عن صورة كالطاووس، أدخله شيء غير ما عرفت؟ قال: لا، قال: فهذا دليل على حدوث العالم.
فقال أبو شاكر: دللت أبا عبد اللّه فأوضحت، و قلت فأحسنت، و ذكرت فأوجزت، و قد علمت إنّا لا نقبل إلّا ما أدركناه بأبصارنا، و سمعناه بآذاننا، أو ذقناه بأفواهنا، أو شممناه بأنوفنا، أو لمسناه ببشرنا، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ذكرت الحواس الخمس و هي لا تنفع في الاستنباط إلّا بدليل، كما لا تقطع الظلمة بغير مصباح.
يريد (عليه السلام) أنّ الحواس بغير عقل لا توصل إلى معرفة الغائبات، و إنّ الذي أراه من حدوث الصورة معقول بنى العلم به على محسوس.
و ممّا حفظ عنه (عليه السلام) في وجوب المعرفة باللّه عزّ و جلّ و بدينه قوله: وجدت علم الناس كلّهم في أربع:
(١) أبلس الرجل: سكت واقما.
(٢) عقيلة كلّ شيء: أكرمه. و العباهر جمع العبهر: الجامعة للحسن في الجسم و الخلق.
(٣) أي مضموم بعضه إلى بعض.
(٤) غرقئ- كزبرج-: القشرة الملزقة ببياض البيض.