كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٥٦
إنّ الرافضة يا أمير المؤمنين تخالف الجماعة في الوضوء فتخفّفه، و لا ترى غسل الرجلين فاستمحنه من حيث لا يعلم بالوقوف على وضوئه، فقال: أجل إنّ هذا الوجه يظهر به أمره، ثمّ تركته مدّة و ناطه بشيء من الشغل في الدار حتّى دخل وقت الصلاة، و كان عليّ بن يقطين يخلو في حجرة في الدار لوضوئه و صلاته، فلمّا دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين و لا يراه هو، فدعا بالماء للوضوء فتوضّأ كما تقدّم، و الرشيد ينظر إليه، فلمّا رآه قد فعل ذلك لم يملك نفسه حتّى أشرف عليه بحيث يراه ثمّ ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنّك من الرافضة، و صلحت حاله عنده.
و ورد عليه كتاب أبي الحسن (عليه السلام): ابتداء من الآن يا علي بن يقطين توضّأ كما أمر اللّه تعالى: أغسل وجهك مرّة فريضة، و أخرى إسباغا، و اغسل يديك من المرفقين كذلك، و امسح بمقدم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنّا نخاف عليك و السلام.
و روى علي بن أبي حمزة البطائني قال: خرج أبو الحسن موسى (عليه السلام) في بعض الأيّام من المدينة إلى ضيعة له خارجة عنها، فصحبته و كان (عليه السلام) راكبا بغلة و أنا على حمار لي، فلمّا صرنا في الطريق اعترضنا أسد فأحجمت عنه (١) خوفا و أقدم أبو الحسن (عليه السلام) غير مكترث به (٢)، فرايت الأسد يتذلّل لأبي الحسن و يهمهم (٣)، فوقف له أبو الحسن (عليه السلام) كالمصغي إلى همهمته، و وضع الأسد يده على كفل بغلته، و قد همّتني نفسي من ذلك و خفت خوفا عظيما، ثمّ تنحّى الأسد إلى جانب الطريق و حوّل أبو الحسن موسى (عليه السلام) وجهه إلى القبلة و جعل يدعو و يحرّك شفتيه بما لم أفهمه، ثمّ أومأ بيده إلى الأسد أن أمض، فهمهم الأسد همهمة طويلة، و أبو الحسن (عليه السلام) يقول:
آمين آمين، و انصرف الأسد حتّى غاب عنّا، و مضى أبو الحسن (عليه السلام) لوجهه.
فلمّا بعدنا عن الموضع قلت له: جعلت فداك ما شأن هذا الأسد فقد خفته و اللّه عليك و عجبت من شأنه معك؟ فقال لي أبو الحسن (عليه السلام): إنّه خرج يشكو إليّ عسر
(١) أحجم فلان عن الشيء: كفّ أو نكص هيبة.
(٢) يقال فلان لا يكترث لهذا الأمر: أي لا يعبأ له و لا يباليه.
(٣) همهم الأسد: ردد الزئير في صدره.