كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩٤٧
و حكمه و ألطافه بعباده عظيمة عامة، و لو رام عظماء العلماء أن يدركوا حقائق مقدوراته، و كنه قدره لم يجدوا إلى ذلك سبيلا، و لا تقلب طرف تطلعهم إليه حسيرا، و حدّه كليلا و أملى عليهم لسان عجزهم عن الإحاطة به، و ما أوتيتم من العلم إلّا قليلا.
و ليس ببدع و لا مستغرب تعمير بعض عباد اللّه الصالحين (المخلصين) و لا امتداد عمره إلى حين، فقد مدّ اللّه أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه و أوليائه، و من مطروديه و أعدائه، فمن الأصفياء عيسى (عليه السلام) (١) و منهم الخضر (عليه السلام)، و خلق آخر من الأنبياء (عليهم السلام) طالت أعمارهم حتّى جاز كلّ واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح (عليه السلام) و غيره.
و أمّا من الأعداء و المطرودين فابليس و الدجال و من غيرهم كعاد الأولى و كان منهم من يقارب عمره الألف، و كذلك لقمان صاحب لبد، و كلّ هذا البيان اتساع القدرة الربانية في تعمير بعض خلقه، فأيّ مانع يمنع من امتداد عمر الخلق الصالح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم اللّه تعالى له به.
و حيث وصل الكلام إلى هذا المقام و انتهى جريان القلم بما خطّه من هذه الأقسام الوسام فلنختمه بالحمد للّه ربّ العالمين فإنّها كلمة مباركة جعلها اللّه سبحانه و تعالى آخر دعوى أهل جنانه، و خصّها بمن اختاره من خليفته، فكساه ملابس رضوانه، فهذا آخر ما حرّره القلم من مناقبهم السنيّة، و سطره من صفاتهم الزكية، و نثره من مزاياهم العليّة، و إنّ ذلك و إن كثر لقليل في جنب شرفهم الشامخ، و يسير فيما آتاهم اللّه من فضلهم الراسخ، و أنا أرجو من كرم اللّه عزّ و علا أن يشملني ببركتهم، و يدخلني في زمرتهم، و يجعل هذا المؤلف مسطورا في صحيفة حسناتي المعدودة من حسنتهم، فقد بذلت جهدي في جميع مزاياهم بذل المجد الطالب، و لم آل جهدا
(١) في أنّ عيسى (عليه السلام) مات بعد ما رفعه اللّه تعالى ثمّ يحيى عند ظهور القائم (عليه السلام) و ينزل من السماء و يصلّي خلفه أو أنّه حي إلى الآن خلاف، و استدلّ القائل بموته بقوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ فإنّ التوفي بمعنى الموت كقوله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ السجدة ١١. و ردّه القائل بعدم موته (عليه السلام) و كونه حيّا إلى الآن بأنّ التوفي في اللغة عبارة من أخذ الشيء أخذا تامّا، و استعمل في الموت أيضا بهذه العناية و استشهد لقوله هذا بآيات عديدة و شواهد كثيرة يكون إيرادها خارجا عن وضع هذه التعليقة و كيف كان فقصّة عيسى (عليه السلام) هذه إمّا دليل لما اعتقده الإماميّة في باب الرجعة- لو قلنا بموته (عليه السلام)- أو لرفع الاستبعاد عن طول عمر المهدي (عليه السلام)- لو قلنا بحياته (عليه السلام)-.