كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٩٤٣
فإن قال المعترض: لا يتمّ العمل بالدلالة و العلامة إلّا بعد العلم باختصاص من وجدت فيه بها دون غيره، و تعيينه لها، فأمّا إذا لم يعلم تخصّصه و انفراده بها فلا يحكم له بالدلالة، و نحن نسلّم أنّه من زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى ولادة الخلف الصالح الحجة (عليه السلام) ما وجد من ولد فاطمة (عليها السلام) شخص جمع تلك الصفات التي هي الدلالة و العلامة، لكن وقت بعثه المهدي و ظهوره و ولادته هو في آخر أوقات الدنيا عند ظهور الدجال و نزول عيسى بن مريم صلوات اللّه عليه و ذلك سيأتي بعد مدة مديدة، و من الآن إلى ذلك الوقت المتراخى الممتد أزمان متجددة، و في العترة الطاهرة من سلالة فاطمة (عليها السلام) كثيرة يتعاقبون و يتوالدون إلى ذلك الإبان، فيجوز أن يولد من السلالة الطاهرة و العترة النبوية من يجمع تلك الصفات، فيكون هو المهدي المشار إليه في الأحاديث المذكورة، و مع هذا الاحتمال و الإمكان كيف يبقى دليلكم مختصا بالحجة المذكور (عليه السلام)؟
فالجواب: إنّكم إذا اعترفتم أنّه إلى وقت ولادة الخلف الصالح و إلى زماننا هذا لم يوجد من جمع تلك الصفات و العلامات بأسرها سواه، فيكفي ذلك في ثبوت تلك الأحكام له، عملا بالدلالة الموجودة في حقّه، و ما ذكرتموه من احتمال أن يتجدّد مستقبلا في العترة الطاهرة من يكون بتلك الصفات لا يكون قادحا في إعمال الدلالة، و لا مانعا من ترتّب حكمها عليها، فإنّ دلالة الدليل راجحة لظهورها، و احتمال تجدّد ما يعارضها مرجوح، و لا يجوز ترك الراجح بالمرجوح، فإنّه لو جوزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الأدلّة المثبتة للأحكام، إذ ما من دليل إلّا و احتمال تجدّد ما يعارضه متطرّق إليه، و لم يمنع ذلك من العمل به وفاقا.
و الذي يوضح ذلك و يؤكّده أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيما أورده الإمام مسلم بن الحجاج رضي اللّه عنه في صحيحه يرفعه بسنده قال لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: يأتي عليك من أمداد أهل اليمن أويس بن عامر بن مراد ثمّ من قرن، كان به برص فبرأ منه إلّا موضع درهم له، والدة هو بها برّ، لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ذكر اسمه و نسبه و صفته و جعل ذلك علامة و دلالة على أنّ المسمّى بذلك الاسم المتّصف بتلك الصفات لو أقسم على اللّه لأبرّ قسمه، و أنّه أهل لطلب الاستغفار منه، و هذه منزلة عالية و مقام عند اللّه تعالى عظيم، و لم يزل عمر رضي اللّه عنه بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و بعد وفاة أبي بكر رضي اللّه عنه يسأل أمداد أهل اليمن عن الموصوف