كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٧٠
قالوا: لا و اللّه إنّ أمير المؤمنين أعلم بما رأى، فقال لهم: و يحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من بين الخلق بما ترون من الفضل، و إنّ صغر السن لا يمنعهم من الكمال، أ ما علمتم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و هو ابن عشر سنين، و قبل منه الإسلام و حكم له به، و لم يدع أحدا في سنّه غيره، و بايع الحسن و الحسين و هما أبناء دون الست سنين، و لم يبايع صبيا غيرهما؟ أ فلا تعلمون الآن ما اختصّ اللّه به هؤلاء القوم و أنّهم ذريّة بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم؟ قالوا: صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين، ثمّ نهض القوم.
فلمّا كان من الغد أحضر الناس و حضر أبو جعفر (عليه السلام) و صار القوّاد و الحجّاب و الخاصّة و العمّال لتهنية المأمون و أبي جعفر، فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضّة و فيها بنادق مسك و زعفران معجون في أجواف تلك البنادق، و رقاع مكتوبة بأموال جزيلة و عطايا سنية و إقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصّته، فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها و التمسه فأطلق له، و وضعت البدر فنثر ما فيها على القوّاد و غيرهم، و انصرف الناس و هم أغنياء بالجوائز و العطايا، و تقدّم المأمون بالصدقة على كافّة المسلمين و لم يزل مكرما لأبي جعفر (عليه السلام) معظما لقدره مدّة حياته يؤثره على ولده و جماعة أهل بيته.
[معجزاته و فضائله ع]
و قد روى الناس أنّ أم الفضل كتبت إلى أبيها من المدينة تشكو أبا جعفر و تقول: إنّه يتسرّى عليّ و يغيرني (١)، فكتب إليها المأمون: يا بنية إنّا لم نزوّجك أبا جعفر لنحرّم عليه حلالا، فلا تعاودي لذكر ما ذكرت بعدها.
و لمّا توجّه أبو جعفر (عليه السلام) من بغداد منصرفا من عند المأمون و معه أم الفضل قاصدا بها المدينة، صار إلى شارع باب الكوفة و معه الناس يشيّعونه، فانتهى إلى دار المسيّب عند مغيب الشمس، فنزل و دخل المسجد و كان في صحنه نبقة (٢) لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضّأ في أصل النبقة، و قام فصلّى بالناس صلاة المغرب فقرأ في الاولى الحمد و إذا جاء نصر اللّه و الفتح، و قرأ في الثانية الحمد و قل هو اللّه أحد، و قنت قبل ركوعه فيها و صلّى الثلاثة و تشهّد و سلّم، ثمّ جلس هنيئة يذكر اللّه تعالى
(١) أغار أهله أي تزوج عليها.
(٢) النبقة واحدة النبق: شجر السدر و النخل و ظاهر المراد هنا الثاني.