كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٥٨
مسحة من قبول، فوقف الخليفة و قال له: يا غلام ما منعك من الانصراف مع الصبيان؟
فقال له محمّد مسرعا: يا أمير المؤمنين لم يكن بالطريق ضيق لأوسعه عليك بذهابي، و لم تكن لي جريمة فأخشاها، و ظنّي بك حسن أنّك لا تضر من لا ذنب له فوقفت.
فأعجبه كلامه و وجهه، فقال له: ما اسمك؟ قال: محمّد، قال: ابن من أنت؟ قال: يا أمير المؤمنين أنا ابن علي الرضا، فترحّم على أبيه و ساق إلى وجهته.
و كان معه بزاة، فلمّا بعد عن العمارة أخذ بازيا فأرسله إلى دراجة فغاب عن عينه غيبة طويلة، ثمّ عاد من الجو و في منقاره سمكة صغيرة، و بها بقايا الحياة، فتعجّب الخليفة من ذلك غاية التعجّب، ثمّ أخذها في يده و عاد إلى داره في الطريق الذي أقبل منه، فلمّا وصل إلى ذلك المكان وجد الصبيان على حالهم، فانصرفوا كما فعلوا أوّل مرّة و أبو جعفر لم ينصرف و وقف كما وقف أوّلا، فلمّا دنا منه الخليفة قال: يا محمّد، قال: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: ما في يدي؟ فألهمه اللّه عزّ و علا أن قال: يا أمير المؤمنين إنّ اللّه تعالى خلق بمشيّته في بحر قدرته سمكا صغارا تصيدها بزاة الملوك و الخلفاء، فيختبرون بها سلالة أهل بيت النبوّة، فلمّا سمع المأمون كلامه عجب منه و جعل يطيل نظره إليه و قال: أنت ابن الرضا حقّا، و ضاعف إحسانه إليه.
و في هذه الواقعة منقبة تكفيه عن غيرها، و يستغني بها عن سواها.
ولده ابو الحسن علي و سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.
و أمّا عمره فإنّه مات في ذي الحجّة من سنة مأتين و عشرين للهجرة في خلافة المعتصم، و قد تقدم ذكر ولادته في سنة مائة و خمس و تسعين فيكون عمره خمسا و عشرين سنة، و قبره ببغداد في مقابر قريش (آخر كلام كمال الدين ابن طلحة).
أقول: إنّي رأيت في كتاب لم يحضرني الآن اسمه، و لعلّي أراه بعد هذا أنّ البزاة عادت و في أرجلها حيّات خضر، و أنّه سأل بعض الأئمّة (عليهم السلام) فقال قبل أن يفصح عن السؤال: إنّ بين السماء و الأرض حيات خضراء تصيدها بزاة شهب يمتحن بها أولاد الأنبياء، و ما هذا معناه و اللّه أعلم.
قال الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي رحمه اللّه: أبو جعفر محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) أمّه ريحانة و قيل الخيزران، ولد سنة خمس و تسعين و مائة، و يقال: ولد بالمدينة في شهر رمضان من سنة خمس و تسعين و مائة، و قبض ببغداد في آخر ذي الحجة سنة عشرين و مأتين،