كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٥٠
الموقوف على عمله فيما بينه و بين اللّه ليتعرّض على أمر كبير و على خطر عظيم، فكيف بالمسئول عن رعاية الامّة، و باللّه الثقة و إليه المفزع في التوفيق و العصمة، و التشديد و الهداية، إلى ما فيه ثبوت الحجّة و الفوز من اللّه بالرضوان و الرحمة.
و أنظر الامّة لنفسه و أنصحهم للّه في دينه و عباده من خلايقه في أرضه من عمل بطاعة اللّه و كتابه و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في مدّة أيّامه و بعدها، و أجهد رأيه و نظره فيمن يولّيه عهده و يختاره لإمامة المسلمين و رعايتهم بعده، و ينصبه علما لهم و مفزعا في جميع ألفتهم و لمّ شعثهم، و حقن دمائهم و الأمن بإن اللّه من فرقتهم، و فساد ذات بينهم و اختلافهم، و رفع نزغ الشيطان و كيده عنهم، فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعل العهد بعد الخلافة من تمام أمر الإسلام و كماله، و عزّه و صلاح أهله، و ألهم خلفاءه من توكيده لمن يختارونه له من بعدهم ما عظمت به النعمة، و شملت فيه العافية، و نقض اللّه بذلك مكر أهل الشقاق و العداوة، و السعي في الفرقة و التربّص لفتنة.
و لم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة فاختبر بشاعة مذاقها و ثقل محملها و شدّة مئونتها، و ما يجب على من تقلّدها من ارتباط طاعة اللّه و مراقبته فيما حمله منها، فانصبّ بدنه و أشهر عينه و أطال فكره فيما فيه عزّ الدين و قمع المشركين و صلاح الامّة، و نشر العدل و إقامة الكتاب و السنّة، و منعه ذلك من الخفض و الدعة و مهنّأ العيش علما بما اللّه سائله عنه، و محبّة أن يلقى اللّه مناصحا له في دينه و عباده، و مختارا لولاية عهده و رعاية الامّة من بعده أفضل من يقدر عليه في ورعه و دينه و علمه، و أرجاهم للقيام في أمر اللّه و حقّه، و مناجيا للّه تعالى بالاستخارة في ذلك و مسألته الهامة ما فيه رضاه و طاعته في آناء ليله و نهاره، معملا في طلبه و التماسه في أهل بيته من ولد عبد اللّه بن العباس و علي بن أبي طالب فكره و نظره مقتصرا لمن علم حاله و مذهبه منهم على علمه، و بالغا في المسألة عمّن خفي عليه أمره جهده و طاقته.
حتّى استقصى أمورهم معرفة، و ابتلى أخبارهم مشاهدة، و استبرأ أحوالهم معاينة، و كشف ما عندهم مسائلة فكانت خيرته بعد استخارته للّه و إجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده و بلاده في البيتين جميعا علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لمّا رأى من فضله البارع، و علمه الناصع، و ورعه الظاهر، و زهده الخالص و تخليه من الدنيا، و تسلّمه من الناس، و قد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه متواطية، و الألسن عليه متفقة، و الكلمة فيه جامعة، و لمّا لم يزل