كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٠٥
و لمّا توفي الرضا (عليه السلام) كتم المأمون موته يوما و ليلة، ثمّ أنفذ إلى محمّد بن جعفر الصادق (عليه السلام) و جماعة من آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلمّا حضروه نعاه إليهم و بكى و أظهر حزنا شديدا و توجّعا، و أراهم إيّاه صحيح الجسم، و قال: يعزّ عليّ أن أراك يا أخي في هذه الحال، و قد كنت آمل أن أقدم قبلك فأبى اللّه إلّا ما أراد، ثمّ أمر بغسله و تكفينه و تحنيطه، و خرج مع جنازته يحملها حتّى انتهى إلى الموضع الذي هو مدفون فيه الآن، فدفنه و الموضع دار حميد بن قحطبة في قرية يقال لها سناباذ على دعوة (١) من نوقان بأرض طوس، و فيها قبر هارون الرشيد، و قبر أبي الحسن (عليه السلام) بين يديه في قبلته.
و مضى الرضا (عليه السلام) و لم يترك ولدا نعلمه إلّا ابنه الإمام بعده أبا جعفر محمّد بن علي (عليه السلام)، و كان سنّه يوم وفاة أبيه سبع سنين و أشهرا (آخر كلام الشيخ المفيد رحمة اللّه تعالى).
قال العبد الفقير إلى اللّه تعالى عبد اللّه علي بن عيسى جامع هذا الكتاب أثابه اللّه تعالى: بلغني ممّن أثق به أنّ السيّد رضي الدين علي بن طاوس رحمه اللّه كان لا يوافق على أنّ المأمون سقى عليّا (عليه السلام) و لا يعتقده، و كان رحمه اللّه كثير المطالعة و التنقيب و التفتيش على مثل ذلك، و الذي كان يظهر من المأمون من حنوّه عليه و ميله إليه، و اختياره له دون أهله و أولاده، ممّا يؤيّد ذلك و يقرّره، و قد ذكر المفيد رحمه اللّه شيئا ما يقبله نقدي، و لعلّي و اهم و هو أنّ الإمام (عليه السلام) كان يعيب ابني سهل عند المأمون و يقبّح ذكرهما إلى غير ذلك و ما كان أشغله بأمور دينه و آخرته و اشتغاله باللّه عن مثل ذلك، و على رأي المفيد رحمه اللّه أنّ الدولة المذكورة من أصلها فاسدة و على غير قاعدة مرضيّة، فاهتمامه (عليه السلام) بالوقيعة فيهما حتّى أغراهما بتغيير رأي الخليفة عليه فيه ما فيه.
ثمّ إنّ نصيحته للمأمون و إشارته عليه بما ينفعه في دينه لا يوجب أن يكون سببا لقتله، و موجبا لركوب هذا الأمر العظيم منه، و قد كان يكفي في هذا الأمر أن يمنعه عن الدخول عليه، أو يكفه عن وعظه.
ثمّ إنّا لا نعرف أنّ الابر إذا غرست في العنب صار العنب مسموما، و لا يشهد به
(١) أي قريب منه يقال هو منّي دعوة الرجل أي هو قريب منّي بيني و بينه قدر ما بيني و بين الذي أدعوه و هو مثل قولهم هو منّي رمية السهم.