كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٠٢
فقعد الناس لأبي الحسن (عليه السلام) في الطرقات و السطوح، و اجتمع النساء و الصبيان ينتظرون خروجه، و صار القوّاد و الجند إلى بابه، فوقفوا على دوابّهم حتّى طلعت الشمس، فاغتسل و لبس ثيابه، و تعمّم بعمامة قطن بيضاء، و ألقى طرفا منها على صدره، و طرفا بين كتفيه، و مسّ طيبا و أخذ عكازا (١) و قال لمواليه: افعلوا كما فعلت، فخرجوا بين يديه و هو حاف و قد شمّر سراويله إلى نصف الساق و عليه ثياب مشمرة، فمشى قليلا و رفع رأسه إلى السماء و كبّر و كبّر مواليه معه، ثمّ مشى حتّى وقف على الباب.
فلمّا رآه القوّاد و الجند على تلك الصورة سقطوا إلى الأرض، و كان أحسنهم حالا من كان معه سكّين قطع بها شرابة جاجيلته (٢) و نزعها و تحفّى، و كبّر الرضا (عليه السلام) و كبّر الناس معه، فخيّل إلينا أنّ السماء و الحيطان تجاوبه، و تزعزعت مرو بالبكاء و الضجيج لمّا رأوا و سمعوا تكبيره، و بلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل: إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس و خفنا على دمائنا، فبعث إليه المأمون قد كلّفناك شططا و أتعبناك، و لا نحب أن تلحقك مشقّة فارجع و ليصلّ بالناس من كان يصلّي بهم، فدعا بخفّه فلبسه و ركب و رجع و اختلف الناس في ذلك اليوم و لم ينتظم أمر صلاتهم.
و عن ياسر قال: لمّا عزم المأمون على الخروج من خراسان إلى العراق خرج معه الفضل، و خرجنا مع الرضا (عليه السلام)، فورد على الفضل كتاب من أخيه الحسن و نحن في بعض المنازل، إنّي نظرت في تحويل السنة فوجدت فيه أنّك تذوق في شهر كذا و كذا يوم الأربعاء حرّ الحديد و حرّ النار و أرى أن تدخل أنت و أمير المؤمنين و الرضا (عليه السلام) في ذلك اليوم الحمام و تحتجم فيه و تصب على بدنك الدم ليزول عنك نحسه، فكتب الفضل إلى المأمون بذلك و سأله أن يسأل الرضا (عليه السلام) ذلك، فكتب المأمون إلى الرضا (عليه السلام) فأجابه: لست داخلا الحمام غدا، فأعاد إليه الرقعة مرّتين، فكتب الرضا (عليه السلام): لست داخلا الحمام غدا فإنّي رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في هذه الليلة فقال لي: يا علي لا تدخل الحمام غدا فلا أرى لك يا أمير المؤمنين و لا للفضل أن تدخل
(١) العكاز: العصا ذات زج في أسفلها يتوكّأ عليها الرجل.
(٢) الجاجيلة: نوع من النعل تتخذ من الجلد خاصة. و الشرابة ما يقال له بالفارسية «بند».