كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٨٠٠
أمير المؤمنين يتقضى منها و يعرضها على علي بن موسى و علي بن موسى يرفضها و يأبى.
و ذكر جماعة من أصحاب السيرة و رواة الأخبار من أيّام الخلفاء أنّ المأمون لمّا أراد العقد للرضا (عليه السلام) و حدّث نفسه بذلك أحضر الفضل بن سهل فأعلمه بما عزم عليه و أمره بمشاورة أخيه الحسن، و اجتمعا في حضرته و جعل الحسن يعظم ذلك عليه و يعرّفه ما في إخراج الأمر من أهله عليه، فقال المأمون: إنّي عاهدت اللّه أنّي إن ظفرت بالمخلوع (١) سلّمت الخلافة إلى أفضل بني طالب و هو أفضلهم، فلمّا رأيا عزيمته أمسكا عن معارضته فأرسلهما إلى الرضا، فعرضا ذلك عليه فامتنع، و لم يزالا به حتّى أجاب، فرجعا إلى المأمون فعرّفاه فسرّ و جلس للخاصّة يوم الخميس، و خرج الفضل فأعلم الناس برأي المأمون في الرضا و أنّه ولّاه عهده و سمّاه الرضا، و أمرهم بلبس الخضر (٢) و العود لبيعته في الخميس الآخر، على أن يأخذوا رزق سنة.
فلمّا كان ذلك اليوم ركب الولاة على طبقاتهم و جلس المأمون و وضع للرضا وسادتين عظيمتين، فجلس الرضا (عليه السلام) في الخضرة و عليه عمامة و سيف، ثمّ أمر ابنه العباس بن المأمون أن يبايع أوّل الناس، فرفع الرضا يده فتلقّى بظهرها وجه نفسه، و ببطنها وجوههم، فقال له المأمون: أبسط يدك للبيعة، فقال الرضا: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هكذا كان يبايع، و بايعه الناس و يده فوق أيديهم، و وضعت البدر (٣) و قام الخطباء و الشعراء و ذكروا ما كان من المأمون في أمره و ذكروا فضل الرضا، ثمّ دعا أبو عباد بالعباس بن المأمون فوثب و قبّل يد أبيه، ثمّ نودي محمّد بن جعفر بن محمّد، فدنا من المأمون و لم يقبّل يده فأمر بأخذ جائزته، فناداه المأمون: ارجع أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع ثمّ دعا أبو عباد بالعلويين و العباسيين فقبضوا جوائزهم حتّى نفدت الأموال.
ثمّ قال المأمون للرضا (عليه السلام): أخطب الناس و تكلّم، فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:
إنّ لنا عليكم حقّا برسول اللّه، و لكم علينا حقّ به، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحكم لكم، و لم يذكر عنه غير هذا المجلس، و أمر المأمون فضربت الدراهم باسمه
(١) يعني بالمخلوع أخاه محمّد الأمين.
(٢) كان شعار بني العباس قبل هذا اليوم الأعلام السود و كذلك كانت ألبستهم سوداء و من ذلك اليوم بدّلوها بالخضراء.
(٣) جمع البدرة.