كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٨٨
القميص و المنشفة، و متفكّر في قول سيّدي الرضا، إذ مرّ بي واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الأصفر الذي حملني عليه ذو الرئاستين و عليه الممطر، و وقف بالقرب منّي ليجتمع عليه أصحابه و هو ينشد: (مدارس آيات خلت من تلاوة) و يبكي، فلمّا رأيت ذلك منه عجبت من لصّ من الأكراد يتشيّع، ثمّ طمعت في القميص و المنشفة، فقلت: يا سيّدي لمن هذه القصيدة؟ فقال: و ما أنت و ذاك ويلك؟ فقلت: لي فيه سبب أخبرك به، فقال: هي أشهر بصاحبها أن تجهل، فقلت: من هو؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمّد جزاه اللّه خيرا، فقلت له: و اللّه يا سيّدي أنا دعبل و هذه قصيدتي، فقال: ويلك ما تقول؟ قلت: الأمر أشهر من ذلك.
فأرسل إلى أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة و سألهم عنّي، فقالوا بأسرهم:
هذا دعبل بن علي الخزاعي، فقال: قد أطلقت كلّما أخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك، ثمّ نادى في أصحابه: من أخذ شيئا فليردّه، فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم و رجع إليّ جميع ما كان معي، ثمّ بذرقنا (١) إلى المأمن فحرست أنا و القافلة ببركة القميص و المنشفة.
فانظر إلى هذه المنقبة ما أشرفها و ما أعلاها، و قد يقف على هذه القصّة بعض الناس ممّن يطالع هذا الكتاب و يقرأه فتدعوه نفسه إلى معرفة هذه الأبيات المعروفة بمدارس آيات، و يشتهي الوقوف عليها، و ينسبني في إعراضي عن ذكرها إمّا أنّني لم أعرفها أو أنّني جهلت ميل النفوس حينئذ إلى الوقوف عليها، فأحببت أن أدخل راحة على بعض النفوس، و أن أدفع عنّي هذا النقص المتطرّف إليّ ببعض الظنون، فأوردت منها ما يناسب ذلك و هي:
ذكرت محلّ الربع من عرفات * * * فأسبلت دمع العين بالعبرات (٢)
و قلّ عرى صبري و هاجت صبابتي * * * رسوم ديار أقفرت و عرات (٣)
(١) البذرقة: الخفارة، فارسي معرب يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة. و قيل: البذرقة: العصمة أي يعتصم بها.
(٢) الربع: المنزل و المحلة. و أسبل الدمع: أرسله.
(٣) العرى: الذي يعول عليه. و هاج الشيء و هاجه غيره يستعمل لازما و متعديا فعلى الأول فقوله «صبابتي» فاعله و على الثاني ففاعله «رسوم». و الصبابة: رقة الشوق و حرارته. و الوعر: ضد السهل.