كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٦٢
الفضل بن الربيع فبقي عنده مدّة طويلة، فأراده الرشيد على شيء من أمره فأبى، فكتب إليه بتسليمه إلى الفضل بن يحيى فتسلّمه منه، و جعله في بعض حجر دوره و وضع عليه الرصد، و كان (عليه السلام) مشغولا بالعبادة يحيى الليل كلّه صلاة و قراءة للقرآن و دعاء و اجتهادا، و يصوم النهار في أكثر الأيّام و لا يصرف وجهه عن المحراب، فوسّع عليه الفضل بن يحيى و أكرمه فاتّصل ذلك بالرشيد و هو في الرقّة فكتب إليه ينكر عليه توسيعه على موسى (عليه السلام)، و يأمره بقتله، فتوقّف عن ذلك و لم يقدم عليه.
فاغتاظ الرشيد لذلك و دعا مسرور الخادم فقال له: اخرج على البريد في هذا الوقت إلى بغداد، و ادخل من فورك على موسى بن جعفر فإن وجدته في دعة و رفاهية فأوصل هذا الكتاب إلى العباس بن محمّد، و مره بامتثال ما فيه و سلّم إليه كتابا آخر إلى السندي بن شاهك يأمره بطاعة العباس بن محمّد، فقدم مسرور فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريد، ثمّ دخل على موسى بن جعفر فوجده على ما بلغ الرشيد، فمضى من فوره إلى العباس بن محمّد و السندي بن شاهك، فأوصل الكتابين إليهما، فلم يلبث الناس أن خرج الرسول يركض إلى الفضل بن يحيى فركب معه، و خرج مشدوها دهشا حتّى دخل على العباس، فدعا العباس بسياط و عقابين، و أمر بالفضل فجرّد و ضربه السندي بين يديه مائة سوط، و خرج متغيّر اللون خلاف ما دخل، و جعل يسلّم على الناس يمينا و شمالا.
و كتب مسرور بالخبر إلى الرشيد فأمر بتسليم موسى (عليه السلام) إلى السندي بن شاهك، و جلس الرشيد مجلسا حافلا و قال: أيّها الناس إنّ الفضل بن يحيى قد عصاني و خالف طاعتي، و رأيت أن ألعنه فالعنوه، فلعنه الناس من كلّ ناحية حتّى ارتج البيت و الدار بلعنه، و بلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرشيد فدخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه، حتّى جاءه من خلفه و هو لا يشعر، ثمّ قال: التفت يا أمير المؤمنين فأصغى إليه فزعا، فقال له: إنّ الفضل حدث و أنا أكفيك ما تريد.
فانطلق وجهه و سرّ و أقبل على الناس و قال: إنّ الفضل كان قد عصاني في شيء فلعنته و قد تاب و أناب إلى طاعتي فتولّوه، فقالوا: نحن أولياء من واليت و أعداء ما عاديت و قد تولّيناه، ثمّ خرج يحيى بن خالد على البريد حتّى وافى بغداد فهاج الناس و أرجفوا بكلّ شيء، و أظهر أنّه ورد لتعديل السواد و النظر في أمور العمّال و تشاغل ببعض ذلك أيّاما، ثمّ دعا السندي فأمره فيه بأمره، فامتثله و كان الذي تولّى به السندي،