كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٦١
و جهدوا في ردّها فلم يقدروا، فوقع لما به و جاءه المال و هو ينزع، فقال: ما أصنع به و أنا في الموت.
و خرج الرشيد في تلك السنة إلى الحج و بدأ بالمدينة فقبض على أبي الحسن (عليه السلام)، يقال: إنّه لمّا ورد المدينة استقبله موسى (عليه السلام) في جماعة من الأشراف و انصرفوا من استقباله فمضى أبو الحسن (عليه السلام) إلى المسجد على رسمه و أقام الرشيد إلى اللّيل و صار إلى قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال: يا رسول اللّه إنّي أعتذر إليك من أمر أريد أن أفعله، أريد أن أحبس موسى بن جعفر فإنّه يريد التشتيت بين أمّتك و سفك دمائهم، ثمّ أمر به فأخذ من المسجد فأدخل إليه فقيده و استدعى قبّتين فجعله في أحدهما على بغل، و جعل القبّة الاخرى على بغل آخر و خرج البغلان من داره عليهما القبّتان مستورتان، و مع كلّ واحدة منهما خيل، فافترقت الخيل فمضى بعضها مع إحدى القبّتين على طريق البصرة، و الاخرى على طريق الكوفة، و كان أبو الحسن (عليه السلام) في القبّة التي مضى بها على طريق البصرة، و إنّما فعل الرشيد ذلك ليعمي على الناس الأمر في باب أبي الحسن، و أمر القوم الذين كانوا مع قبّة أبي الحسن أن يسلّموه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور و كان على البصرة حينئذ، فسلّم إليه فحبسه عنده سنة، و كتب إليه الرشيد في دمه فاستدعى عيسى بن جعفر بعض خاصّته و ثقاته، فاستشارهم فيما كتب إليه الرشيد فأشاروا عليه بالتوقف عن ذلك و الاستعفاء منه، فكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد يقول له: قد طال أمر موسى بن جعفر و مقامه في حبسي و قد اختبرت حاله و وضعت عليه العيون طول هذه المدّة، فما وجدته يفتر عن العبادة، و وضعت من يسمع منه ما يقول في دعائه: فما دعا عليك و لا عليّ، و ما ذكرنا بسوء، و ما يدعو إلّا بالمغفرة و الرحمة لنفسه، و إن أنت أنفذت إليّ ممن يتسلّمه منّي و إلّا خلّيت سبيله فإنّي متحرّج (١) من حبسه.
و روي أنّ بعض عيون عيسى بن جعفر رفع إليه أنّه سمعه كثيرا يقول في دعائه و هو محبوس عنده: اللهمّ إنّك تعلم إنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهمّ و قد فعلت فلك الحمد.
فوجّه الرشيد من تسلّمه من عيسى بن جعفر و صيّر به إلى بغداد، فسلّم إلى
(١) تحرج من الأمر: جانب الحرج أي الإثم.