كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٣٠
الإذاعة، إنّ المؤمن ليمرّ بالمؤمنين فيسلّم عليهم فترد الملائكة سلام عليك و رحمة اللّه و بركاته أبدا.
عن مالك الجهني قال: كنّا بالمدينة حين أجلبت الشيعة و صاروا فرقا، فتنحّينا عن المدينة ناحية ثمّ خلونا فجعلنا نذكر فضائلهم و ما قالت الشيعة إلى أن خطر ببالنا الربوبية فما شعرنا بشيء، إذا نحن بأبي عبد اللّه واقف على حمار فلم ندر من أين جاء، فقال: يا مالك و يا خالد متى أحدثتما الكلام في الربوبية؟ فقلنا: ما خطر ببالنا إلّا الساعة، فقال: اعلما أنّ لنا ربّا يكلأنا بالليل و النّهار (١) نعبده، يا مالك و يا خالد قولوا فينا ما شئتم و اجعلونا مخلوقين، فكرّرها علينا مرارا و هو واقف على حماره.
قال أفقر عباد اللّه تعالى إلى رحمته جامع هذا الكتاب أثابه اللّه: في هذا الكلام و أمثاله من أقوال الغلاة و إن كانت باطلة، دلالة على علوّ شأن الأئمّة (عليهم السلام) و إتيانهم بالخوارق للعادات، و إخبارهم بالامور المغيّبات، و تفنّنهم في إبراز الكرامات و المعجزات، فإنّهم يرونها منهم مشاهدة و عيانا مرّة بعد أخرى، و يصادف ذلك أذهانهم، و فيها قصور في النظر، و ضعف في التمييز، فيعتقدون هذا الاعتقاد الفاسد المذموم، نعوذ باللّه تعالى كما جرى للنصارى، فإنّهم نظروا إلى المسيح عليه أفضل الصلاة و السلام و ما يجيء به من الخوارق كإحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و إطعام الجمع الكثير الطعام القليل، و غير ذلك من معجزاته (عليه السلام) فاعتقدوه ربّا و اتّخذوه إلها، تعالى اللّه و تقدّس، فنظروا جانبا و أهملوا النظر في جانب لضعف تمييزهم، فإنّهم لو فكّروا في أنّه ولد من امرأة و أنّه كان صغيرا فتنقل في أطوار الخلقة و أنّة كان يأكل و يشرب و يبول و يغوط و ينام و يسهر و يصح و يسقم، و يخاف و يحذر، و أنّه صلب على زعمهم، و أنّه كان يصلّي و يصوم و يجتهد في العبادة و الخضوع، لعلموا أنّ هذه الصفات منافية لصفات الملك، فضلا عن اللّه ربّ العالمين الذي لا تأخذه سنة و لا نوم، الذي يطعم و لا يطعم، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون و الجاحدون علوّا كبيرا، و المعبود كيف يعبد و الموجود كيف يجحد، و لنفي هذا الاحتمال قال اللّه تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لئلّا تحملهم ما يرونه من معجزاته و آياته على مثل ما يتخيّله النصارى نعوذ باللّه تعالى، و نسأله العصمة و حسن الخاتمة بمنّه و رحمته.
(١) كلاه اللّه: حفظه و حرسه.