كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٧٠٤
قال: و قلت لأبي عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليه السلام): لم منعت الساعي أن يحلف باللّه؟
قال: كرهت أن يراه اللّه يوحّده و يمجّده فيحلم عنه و يؤخّر عقوبته، فاستحلفته بما سمعت، فأخذه اللّه تعالى أخذة رابية.
و روي أنّ داود بن علي بن عبد اللّه بن العباس (١) قتل المعلّى بن خنيس مولى جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و أخذ ماله، فدخل عليه جعفر و هو يجرّ رداءه، فقال له: قتلت مولاي و أخذت ماله أ ما علمت أنّ الرجل ينام على الثكل و لا ينام على الحرب (٢)، أما و اللّه لأدعونّ اللّه عليك، فقال له داود بن علي: أ تهدّدنا بدعائك؟ كالمستهزىء بقوله- فرجع أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى داره فلم يزل ليله كلّه قائما و قاعدا حتّى إذا كان السحر سمع و هو يقول في مناجاته: يا ذا القوّة القويّة و يا ذا المحال الشديد، و يا ذا العزّة التي كلّ خلقك لها ذليل، اكفني هذا الطاغية و انتقم لي منه، فما كانت إلّا ساعة حتّى ارتفعت الأصوات بالصياح و قيل: مات داود بن علي.
و روى أبو بصير قال: دخلت المدينة و كانت معي جويرية لي فأصبت منها، ثمّ خرجت إلى الحمّام فلقيت أصحابنا الشيعة و هم متوجّهون إلى أبي عبد اللّه جعفر (عليه السلام)، فخشيت أن يسبقوني و يفوتني الدخول إليه، فمشيت معهم حتّى دخلت الدار، فلمّا مثلت بين يدي أبي عبد اللّه نظر إليّ ثمّ قال: يا أبا بصير أ ما علمت أنّ بيوت الأنبياء و أولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب؟ فاستحييت و قلت: يا بن رسول اللّه إنّي لقيت أصحابنا فخشيت أن يفوتني الدخول معهم، و لن أعود مثلها و خرجت و جاءت الرواية مستفيضة بمثل ما ذكرناه من الآيات و الأخبار بالغيوب ممّا يطول تعداده.
و كان يقول (عليه السلام): علمنا غابر و مزبور، و نكت في القلوب، و نقر في الأسماع، و إنّ عندنا الجفر الأحمر، و الجفر الأبيض، و مصحف فاطمة (عليها السلام)، و إنّ عندنا الجامعة، فيها جميع ما يحتاج الناس إليه، فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال: أمّا الغابر فالعلم بما يكون، و أمّا المزبور فالعلم بما كان، و أمّا النكت في القلوب فهو الإلهام، و أمّا النقر في الأسماع فهو حديث الملائكة (عليهم السلام) نسمع كلامهم و لا نرى أشخاصهم، و أمّا الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و لن يخرج حتّى يقوم قائمنا أهل البيت،
(١) يظهر من الأخبار و التواريخ أنّ داود بن علي كان واليا على المدينة من قبل بني عباس.
(٢) الثكل: فقد الولد. و الحرب- بالتحريك-: نهب المال الذي يعيش فيه.